لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

jeudi 27 juin 2013

الخطاب الرخيص لسيادة الرئيس


"تمخض الجبل فولد فأرًا" هكذا تعليقي على خطاب د.مرسي بالأمس.. ولا أقصد تشبيهه بالجبل، ولكن الخطاب يستحق بالتأكيد التشبيه بالفأر..
المفترض من أي خطاب رسمي مسئول بمناسبة أحداث شديدة الخطورة وظروف عالية الحساسية كالتي تعيشها مصر أن يقدم لنا "جديدًا" وهذا الجديد عليه أن يمثل حلاً للأزمة أو على الأقل تبريدًا لبعض جبهاتها.. فماذا حمل لنا خطاب الرئيس؟

كان هناك الكثير من ال"في غلطات بس بنعمل كذا.." و"إحنا حققنا تقدم..هو مش كفاية بس أصل..إلخ" مع بعضًا من الشفافية في الكشف عن حقائق مثيرة كأن الرئيس عنده "تليفون كدة الناس بيطلبوني عليه" أو كأن باسم عودة وزير التموين "بينط على عربيات الأنابيب في الشارع"..
وجاءت فقرة المقارنات لتمثل تطبيقًا للمثل الشعبي "روح يا ناكر خيري شوف زماني من زمان غيري" من خلال الحديث عن الدين الخارجي والعدالة الاجتماعية.. وكباحث في التاريخ أصابني الذهول لأن د.مرسي واتته ال.. فلنقل الشجاعة ليقارن عصره بعصر عبدالناصر من حيث الحديث عن الاقتصاد!
وعن المشكلات الحياتية كالبنزين والأمن تحدث مرسي فقال أنه "لازم أعرف مين أخد إيه وإداه لمين"(يا نهار إسود!) و"مين بيعمل الحاجات دي في الولاد الصغيرين" (أحّيه!!) وهو الامتداد المعتاد لأحاديثه السابقة عن الأصابع والحمامة والصباعين تلاتة اللي بيلعبوا في مصر..

أما قنبلة العرض فكانت وصلة الأسماء التي أتحفنا بها سيادة الرئيس.. لو أننا في دولة تحترم نفسها لباع هذا الرجل ما وراءه وما أمامه ليسدد أتعاب المحامين المكلفين بالدفاع عنه في قضايا السب والقذف التي ستقام ضده! مكرم محمد أحمد.. أحمد شفيق.. أحمد بهجت.. محمد الأمين.. بشكل شخصي أنا بالتأكيد غير متعاطف مع أي من هؤلاء لكن بشكل قانوني لدي مشكلة حقيقية في أن يوزع رئيس الجمهورية الاتهامات لشخصيات بعينها بغير حكم محكمة! طبعًا شفيق استثناء باعتبار أنه بالفعل هارب من المسائلة القضائية.. لكن ماذا عن الباقون؟ هل قلت لكم أنه تخطى حاجز الأحياء فذكر الأموات؟ آه والله.. وقص علينا قصة لطيفة عن كمال الشاذلي الذي قال له "السياسة نجاسة".. أي نعم.. لقد عشنا لنرى رئيس جمهورية مصر العربية يقف على المنصة أمام الملايين ليقول "السياسة نجاسة".. وإنني كنت أضع يدي على قلبي متضرعًا لله ألّا يسترسل مرسي في الأمر فيستطرد :"والضخامة فخامة.. والصياعة أدب مش هز...إحم.. كتاف".. مما كان سيقودنا في نهاية الخطاب لمرحلة "الشرمطة مرمطة والعلوقية مسئولية!"
بالتأكيد لم تفت د.مرسي لفتة أن يشعرنا أنه "ابن سوق ومرقع" فحدثنا عن "فودة" "وعاشور" الذان يؤجران البلطجية.. والولد الذي يتلقى عشرون جنيهًا "عشان يشد سكينة الكهرباء".. ولو تُرِكَ له العنان فإني أؤكد أنه كان كفيلًا بسرد قائمة أسماء "الديلرز" في حارة اليهود والديزيت وشارع القاهرة..



وفي نهاية الخطاب قام السيد الرئيس بتقديم وصلة مغازلة للمؤسسات التي يشعر رجل الشارع أن الشيطان دخل بينها وبين الرئاسة.. كالقضاء والداخلية والجيش.. بل وتفتقت قريحة سيادته عن إجراء فذ غير مسبوق هو أن يكلف وزارة الداخلية بإنشاء وحدة مهمتها مكافحة البلطجة والجريمة.. آه والله.. هذا على أساس أن أحدهم أقنع سيادته قبل ترشحه للرئاسة أن مهمة وزارة الداخلية تقتصر على تنظيم حج القرعة وإصدار تراخيص التكاتك! قرار رئاسي بتكليف الداخلية بمكافحة الجريمة؟ يا ابن الإيه يا لذينَ!

وما لفت نظري هو تكرار مرسي عبارة "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" بشكل متتالي وبحالة من "الحُرقة" ذكرتني بمشهد المرحوم علاء ولي الدين في فيلم "النوم في العسل" وهو يقف أمام المرآة مرددًا "أنا جامد..أنا مية مية..أنا زي الفل".. طيب يا حبيبي... عارفين والله إن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو بابا وماما وأنور وجدي لجميع مؤسسات الدولة.. وبعدين؟ هذا المشهد ذكرني بالعبارة الخالدة على ظهر كتاب اللغة العربية للصف الأول الثانوي "صوتك العالي دليل ضعف موقفك" .. وتكرار العبارة لا يشير إلا لأن أحدهم في الجيش "زعّله" فأثر هذا في نفسيته وأوصاه الطبيب بترديد "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" على سبيل رفع روحه المعنوية بعد الفاجعة!

وطبعًا إمعانًا في رخص الموقف لم ينسى الرجل الحديث عن المؤامرات والدسائس والذين يحقدون على مصر التي هي على حد قوله "بلد كبيرة إحنا".. آه..هل ذكرت أنه ضمّن حديثه كلامًا من نوعية "الجسد المصري العظيم" و"مصر واسعة وكبيرة"؟ طبعًا أعقب الحديث عن المؤامرات تهديدًا ووعيدًا بلهجة يمكن لأي قاريء بسيط في علم النفس أن يؤكد أنها صادرة عن رجل يدرك أنه لا يستطيع شيئًا! اللهجة بدت كرتونية على غرار "سأهزمك وأريك قوة بلبلي" أكثر من كونها صادرة عن رئيس دولة له صلاحيات..


الخلاصة أننا كنا أمام مشهد ذكرني برواية "السائرون نيامًا" للراحل سعد مكاوي.. والتي كان من أشخاصها سلطان ضعيف اسمه يلباي وضعه "خير بك الدوادار"-السلطان الفعلي للبلاد-على العرش وحكم من وراءه (خير وخيرت..شوف يا أخي الصدف).. وكان يلباي خائبًا حتى أن في رحلات الصيد كان العبيد هم من يغرسون له السهام في أجساد الطرائد ويمرون بها في موكب العودة أمام الجماهير.. وفي الفراش لم يكن حاله بأفضل مما جعله يجد العلاج في أن يستحضر مجموعة من المساجين ويطلب منهم السجود له ثم ينهال عليهم بالسيف والسباب ويلتفت للأمراء الذين يعرفون حقيقته صارخًا: "أنا سبع هذا البر يا ولاد الكلب!"

من الآخر إذن.. هذا خطاب يائس بائس من رجل أدرك أنه أصغر من كرسيه وأقل من مكانة منصبه وأتفه مما يوحي به شأنه! باختصار هو خطاب رخيص لا يليق برئيس جمهورية مصر العربية.. لكنه بالتأكيد يليق بمحمد مرسي العياط!







mardi 16 avril 2013

أستاذ نائل الطوخي.. إن لم تسترجل فافعل ما شئت!

منذ يومين تقريبًا تعرضت صديقة وأخت عزيزة، وهي في نفس الوقت خطيبة أقرب أخ وصديق لي، لمحاولة تحرش في الشارع انتهت بمشاجرة في قسم الرمل، قامت بذكر تفاصيلها هنا 


طبعًا الموقف هو تجسيد للمستوى الكارثي الذي بلغه مجتمعنا من عقد نفسية واستباحة لممارسة التعريص الأخلاقي على أكثر الجرائم حيوانية.. يمكنني أن أقرأ النفسيات المعتلة والعقليات المختلة التي تحاملت على فتاة هي مجني عليها في جريمة مخجلة.. أرى بينهم من رآها تستحق ذلك وأكثر لأنها ليست محجبة ولا منقبة وبالتالي فإن مجرد نزولا الشارع يعني أنها "هي عايزة كدة بس عاملة مصدومة ومؤدبة" ، آخر ينظر لها ولأي شخص ذو مظهر حسن يبدو من الطبقة الوسطى الميسورة باعتبار أنه من "ولاد الكلب اللي عايشين فوق ودايسين علينا ياكش يولعوا بجاز وسخ كلهم" إلى آخر هذا الصديد النفسي والانهيار لكلمة رجولة.. لا أدري لماذا حين قرأتُ كلام ندى عن موقف هؤلاء الأشاوس معها تذكرتُ السؤال المُر للراحل نجيب سرور"اللحس ليه انتشر؟"


كل هذا متوقع ومعروف في المجتمع الذي انتشر فيه منطق "إيه اللي وداها هناك"، لكن أن أفاجأ بكاتب شاب المفروض أنه مثقف ومحترم(وهكذا كانت فكرتي عنه بالفعل)يقوم بعمل share لما كتبت الفتاة ساخرًا منها ملمحًا أنها مجرد "فتاة فاضية تريد أن تتحدث عن صديق بابا اللواء المهم الذي جعل المخبرون يضربون المتحرش الغلبان" فضلاً عن رأيه في أنها تبالغ في رد فعلها فالفتى لم يفعل سوى أن "شدها من ذراعها"..

سيداتي آنساتي سادتي نحن أمام ظاهرة فريدة "فظة" من نوعها! هناك رجل.. ذكر.. كائن بشري.. له عينين وعقل وإدراك ويفترض أنه تجاوز سن الرُشد وأن نموه العقلي على ما يرام .. اسمه نائل الطوخي... قرأ عن واقعة جذب شاب لفتاة من ذراعها بعنف في الطريق العام في وضح النهار ثم رجال بشوارب شهدوا زورًا ضدها وضابط شرطة همام سبّها وهددها بالحبس من منطلق أنه لم يرى في جذب ذراعها ما يستحق أن يهز أردافه عن مقعده المريح ويحقق في الأمر..  فلم يلاحظ هذا القاريء ما يستحق الانفعال هنا سوى أن المتحرش شاب غلبان وأن المجني عليها "فاضية لا تستحق التعاطف" لأن لديها "اللواء صاحب بابا" الذي ساعدها لأخذ حقها..

 نحن هنا أمام قانون جديد للإنسانية والأخلاق والرجولة في وطننا السعيد قام باكتشافه العلامة نائل الطوخي :

 فتاة + تحرش + ما عنديش واسطة = تعاطف من القلب
             فتاة +تحرش + عندي واسطة = ياللا يا بت يا فاضية من هنا

وفي هذا القانون الرائع نكتشف أن التحرش ليس عنصرًا رئيسيًا في المعادلة بل أن الواسطة هي العنصر الأهم.. مما يجعلني أسأل السيد نائل سؤالاً بريئًا: هل أنت واثق أن الكتابة هي مهنتك الوحيدة؟

طيب هل تربطك بالمتحرش صداقة ما فنفسر موقفك أنك تؤدي له أحد الحقوق الثلاث للصاحب عند صاحبه؟

قد كان يمكنني أن أتفهم وأتقبل أن تتجاهل ما قامت الفتاة بكتابته.. لكن أن ترفعه على صفحتك ساخرًا منها ومطلقًا العنان لمن هب ودب للاستهزاء بل وتوجيه السباب لها على واقعة أنت لم تشهدها ولا تعرف بطلتها بشكل شخصي لتقرر أن تطعن أخلاقها؟ لابد أنك قضيت بعدها أروع لحظات حياتك بينما تنفث سيجارتك وتحتسي قهوتك على أحد مقاهي المثقفين بوسط البلد وأنت تشعر بالرضا عن نفسك لتفانيك في الدفاع عن المتحرشين الغلابة ضد الكائنات البرجوازية العفنة التي تترفع عن أن يجذبها فتى غلبان من ذراعها.. يا لها من وقحة عديمة الرحمة!

إن السيد نائل الطوخي قد قدم لنا اكتشافًا-لا أجروء أن أقول "إنسانيًا"-جديدًا.. فلطالما تعثرت في شتى أنواع المثقفين: سليط اللسان، المنافق، الباحث عن السبوبة، المنحل، المتقعر، لكن نموذج المثقف ال.. إحم.. فلنقل "لارج" هذا نوع جديد اقترح حال صدق شائعة تأجير آثارنا لقطر أن نرسله إليها..هناك من يحب هذه الأشياء ويجد لها استخدامات خاصة.. 


الله يرحمك يا أحمد يا زكي:"ويلٌ للعالم إذا ما انحرف المتعلمون وتبهبظ المثقفون".. لماذا تبهبظت يا أستاذ نائل؟ قد كنا نرى لك عقلاً وخلقًا وندخرك لغير ذلك!طيب على الأقل تعطف علينا بشرح شعور البهبظة لعلنا قد فوّتنا لذة عظمى بجهلنا!


بالمناسبة.. قام الأستاذ المحترم بمسح الpost الذي سخر فيه من صديقتنا بعد أن بدأت التعليقات المضادة لهواه تنهال عليه.. وقد كان من الممكن أن افترض حسن نيته وأنه عرف غلطه لو كان قد كلف خاطره الاعتذار لها عن حفلة التطاول العلني التي نظمها.. ولكن للأسف انهار الأمل الأخير في وجود بقايا أخلاق حين تلخص موقفه في أنه "جاب ورا" كأي-إحم مرة أخرى- "لارج" يحترم نفسه!

أستاذ نائل الطوخي.. اسمح لي أن أعدل المثل الشهير فأقول "إن لم تسترجل فافعل ما شئت" فهذه الصيغة أكثر ملائمة لعصرنا الرائع الذي اكتفينا منه قبل أن يبدأ!

استرجلوا يرحمكم الله!

mercredi 23 janvier 2013

عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء


عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء

أغلبنا يعرف قصة صنما "إساف ونائلة".. تقول الأسطورة أنهما كانا رجلًا وإمرأة إلتقيا في مكة وتوجها إلى حَرَم الكعبة ففَجر أحدهما بالآخر فمسخهما الله حجرين فعبدهما كفار قريش..

لا أعرف مدى صحة هذه الأسطورة ولكني مررتُ أخيرًا بموقف تمنيت معه أن يكون المسخ حجرًا عقابًا سريعًا مباشرة وعلنيًا لمن يفجر في أي حرم مقدس-وليس حرم الكعبة الشريفة فحسب-بالذات لو كان حرم القضاء..

فمنذ أيام اندلعت اشتباكات عنيفة بمحيط المحكمة الابتدائية بالإسكندرية استمرت لمدى يومين.شهود العيان يُجمِعون أن الأمن في  المرتين كان الباديء، إذ قام في اليوم الأول-ولغير مبرر منطقي-بالاعتداء بالضرب على أهالي شهداء الثورة السكندريين الذين كانوا قد تجمعوا عند المحكمة أثناء نظر قضية أبناءهم.فور وقوع الاعتداء تناقل الثوار الخبر وتوجهوا للمنطقة للدفاع عن المُعتَدَى عليهم.ومما شهدتُ بنفسي أثناء تواجدي هناك أستطيع أن أجزم بكل ثقة أن الداخلية كانت "راضية" عن هذه الاشتباكات، وهو أمر يستطيع أي متابع مدقق للمصادمات مع الأمن المركزي أن يدركه من خلال مدى جدية الأمن في تفريق التجمع ومنع تشكّله ثانية، فضلاً عن أن في تلك الحالة كان يكفي من الأمن الانسحاب لمواقعه لتتوقف المعركة ولكنه كان يمارس الكر والفر بغير مبرر أو حاجة..
أما اليوم الثاني فقد شهد تنحي القاضي عن نظر القضية-وهو إجراء قانوني يحق له اتخاذه حال استشعاره الحرج-ولكن الصدام بدأ فورًا بعدها بسبب قيام جنود الأمن المركزي بضرب بعض المحاميات بذريعة أن "مشاجرة" جرت بين محامو المتهمين ومحامو أهالي الشهداء، وهو مما يرد حدوثه ولا يحتاج إلا لتدخل أمن المحكمة بشكل غير بدني في أسوأ الأحوال! وبدا واضحًا كاليوم السابق أن الأمن "يريد خناقة"!
وتكررت نفس مشاهد اليوم التالي ولكن بشكل أكثر عنفًا، وهذه المرة قام الأمن ب"اختطاف"بعض المتظاهرين والنشطاء من محيط المحكمة حتى أن الجنود كانوا يقتحمون المقاهي المحيطة ويعتقلون بعض الجلوس عليها، بل وبلغ الأمر أن توغلوا في الشوارع الرئيسية في منطقة "محطة الرمل" بأكملها وحاولوا القبض على نشطاء بعينهم.. وبغض النظر عن اتفاق القاريء مع الفكرة من عدمه فإن الفكرة السائدة منذ هذا الوقت وحتى هذه اللحظة هي أن الأمن تعمد افتعال تلك الأحداث كذريعة للقبض على بعض كبار النشطاء لعرقلة الإعداد لفاعليات يوم 25 يناير 2013 من خلال إرهاق الثوار بمتابعتهم.. وبالمناسبة، فإن حُجة "الأمن اضطر لاستخدام العنف لحماية المحكمة" واهية.. أقول هذا كشاهد عيان، فالمحكمة ومبنى النيابة ومجمع المحاكم وأية منشئات مجاورة بقيت آمنة من أي اقتراب طوال فترة الاشتباك.. وبالمناسبة فإن تعبير "الاشتباك" يبدو لي مبالغًا فيه، فما كان يجري بالفعل هو أن الأمن كان يلقي بقنابل الغاز بكثافة حتى لو انسحب المتظاهرون، أو يطلق البطلجية-وقد رأيتهم بنفسي-ليلقوا الحجارة على المتظاهرين أو يحاولون اختطاف بعضهم.. ولم يحدث اقتحام المحكمة الابتدائية إلا بعد انسحاب الثوار من محيط المبنى بل والمنطقة كلها، وشهود العياد يُجمِعون أن الأمن انسحب من جوار المحكمة بشكل مريب ثم وقع الاقتحام من عناصر شوهد بعضها يقف تارة إلى جانب الثوار وأخرى إلى جانب الأمن، ثم بعد "تمثيلية" الاقتحام تقدم الأمن واقتحم جنوده المقاهي المجاورة وقبض على نشطاء بعينهم واتهمهم بالتحريض والتنفيذ لتلك الجريمة!

طبعًا أنا أنقل شهادتي واحترم أية شهادة معارضة، ولا ألزم بقولي القاريء أن يقتنع به كما هو فكل قول قابل للرد عليه بنقيضه إلا قول الله وأنبياءه..
إذا كان كل ما سبق من اعتداء على أمهات وذوي الشهداء، ضرب عشوائي لقنابل الغاز في مناطق سكنية(وقعت بعض حالات الاختناق بين المارة-أغلبهم من النساء والعجائز-عالجت بعضها بنفسي)، ضرب لمحاميات داخل مبنى المحكمة.. إن كان لنا أن نصف كل هذا ب"العدوان" فإن ما جرى في اليوم التالي-الاثنين 21 يناير-لا أجد وصفًا له سوى "الفجور"..والفجور في أحد أهم معانيه هو "المجاهرة بالفساد"..
ما جرى هو أننا قد توجهنا يوم الاثنين المذكور إلى مبنى النيابة للتضامن مع المتهمين الذين نشهد أنهم أبرياء مما يُنسَب إليهم.. علمنا بنقلهم بشكل استثنائي لمنطقة "برج العرب" النائية للتحقيق معهم.. توجه الناشطان ماهينور المصري وحسن مصطفى إلى مكتب المحامي العام للتحدث معه بشأن إخلاء سبيلهم والاستفسار عن موقفهم.. صعدنا-أنا وبعض الأصدقاء-للاطمئنان ففوجئنا بمجموعة من أفراد الأمن المركزي والمخبرين تقتحم المبنى وتحاصر الممر الواقع فيه مكتب المحامي العام ثم فجأة تختطف من بيننا الناشط حسن مصطفى وتحاول اختطاف ماهينور المصري.. سمعت بنفسي الضابط وهو يهمس لجنوده "ياللا بسرعة قبل ما يمشوا".. وشهدت حسن وهو يخرج من أحد المكاتب بشكل هاديء ثم فجأة اختفى بينهم.. استطعنا تخليص ماهينور بعد أن اعتدوا عليها بالضرب وجذبوها بشكل شديد السفالة من ملابسها وتطاولوا عليها بالألفاظ البذيئة.. حاولنا اقناعهم بإطلاق سراح حسن مصطفى وسألنا بغضب عن سبب القبض عليه ففوجئنا بهم يدفعوننا على السلالم حتى أخرجونا من المبنى بكل عنف وقام أحد الضباط بمباغتتنا برش رذاذ الفلفل في أعيننا أثناء خروجنا من البوابة وهو يطلق أقذر الألفاظ رغم أن مقاومتنا دفعهم كانت قد خفت أو انتهت وكان أغلبنا يخرج طواعية.. للأسف نلتُ نصيبًا لا بأس به من هذا الرذاذ تسلل لصدري وعينيّ مما أصابني بأزمة صدرية عنيفة نُقِلت إثرها إلى المستشفى في حالة بالغة السوء..
علمتُ بعد ذلك أن حسن وُجِهَت له تهمة الاعتداء على وكيل نيابة واعتداء سابق على ضابط والتحريض على العنف.. وهي طبعًا تهمًا هزلية بالذات الأولى منها حيث يمكن للمئات أن يشهدوا أنه تواجد في مكتب وكيل النيابة المُدَعِي عليه بشكل سلمي هاديء..

هل يمكن للقاريء أن يتخيل صدمتي أنا من درس القانون وأنا أرى هذا الاعتداء يجري أمام باب غرفة مكتب المحامي العام مباشرة وفي وجود عدد من العاملين بالمؤسسة القضائية؟ ثمة مجموعة من الجرائم تم ارتكابها أمام مكتب من يُفتَرَض أنه ممثل الشعب أمام القضاء: سب – قذف- ضرب- تحرش- استخدام مواد ضارة- اقتحام الأمن لمنشأة يُحظَر عليه دخولها في غير حالات الطواريء – اختطاف.. حفنة من الجرائم لو وقعت من الأمن في دولة تحترم نفسها لاستقالت الحكومة!
إن هذه الوقائع لتثير عشرات التساؤلات المخيفة ولعل أقلها هو: أين المحامي العام للإسكندرية وأعضاء الهيئة القضائية مما حدث أمام مكاتبهم؟ هل يُعقَل أن يتوغل الأمن هذا العمق دون موافقتهم؟لو كانت لإجابة بالإيجاب فهي كارثة ولو كان ذلك قد حدث عنوة فهي مصيبة! هل تصل سلطة مخبر في الشرطة أو مجند أمن مركزي أن ينتهك حرمة قاعة المحكمة ويضرب محامية يمنع القانون مجرد توقيفها إلا بإجراءات خاصة؟ هل بلغت الجرأة بالأمن والاستهتار بصورته وصورة الدولة أن يمارس العنف بشكل علني وعشوائي في قلب المدينة أمام المحكمة مباشرة وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار من سفارات دول كفرنسا والسويد وإيطاليا وفي شارع البحر الرئيسي؟(كنت استطيع رؤية سحب الغاز وشم رائحته بعد ضربه في المنشية وأنا أمام مكتبة الإسكندرية وهي مسافة ليست بالقليلة بالنسبة لأمر كهذا!)..
لا أستطيع التعبير عمّا جرى إلا بأنه حالة "فلتان عيار" و "تَوَحُش" جعل الأمن يبدو كالرجل الذي فقد عقله فانطلق يركض عاريًا في عرض الطريق حاملاً سكين وهو يصرخ في الجميع.. وإني لأتسائل كيف لهذه الفضيحة ألاّ قد تكون بلغت مكتب الرئيس-خاصة وأن نائب المحافظ قيادي إخواني-إلا لو كانت بمباركة أو رضا أو أمر؟
وثمة سؤال آخر: أين القضاة الغيورون على حُرمة القضاء وساحاته ومبانيه واستقلاليته وسيادته مما جرى؟ أين من غاروا منهم على "حرمة" النائب العام السابق وهيئة المحكمة الدستورية العليا؟ كيف يمكن ألاّ نظن أن قيامهم سابقًا كان مجرد "تصفية حسابات ومصالح" إلا بأن يزيلوا ظن السوء بأن يظهروا الغيرة على كرامة السلطة القضائية التي أهانتها الداخلية بكل ما سبق؟

 وأكررها للمرة المئة ولن أمل تكرارها"لو أن أصحاب القرار يريدون منا ألاّ نتهمهم بالتواطوء والرضا عن أية مهزلة مماثلة فعليهم هم يقع عبء إثبات ذلك بإظهار ما يفيد رفضهم ما حدث.. وإلا فنحن معذورون في ظن السوء لأن السكوت الرسمي عن تلك الجرائم هو "قرينة" سرعان ما يرتقي بها استمرار السكوت إلى مستوى "الدليل"!
(تم)




jeudi 22 novembre 2012

لهذا أخرج اليوم 23 نوفمبر على مُرسي!

أمس الأول انتخبت محمد مرسي رئيسًا لمصر في الإعادة بينه وبين شفيق، ولستُ نادمًا على هذا القرار.. بالأمس القريب احتفلتُ مع الإخوان في ميدان التحرير بفوز مرسي على شفيق ورآني من كانوا معي أبكي وأضحك في آنٍ واحد.. لستُ نادمًا أيضًا على هذا.. واليوم أخرج ضد مرسي إذ طغى وبغى وأحسبني بإذن الله لن أندم كذلك.. 

لم انتخب مرسي وأنا أقول "عشان أعرف أعارضه" فقد كنتُ أعلم أن فصيل الإخوان المسلمين سيأتيه يوم يقمع الحريات ويتجبر ويستبد.. ولكني كنتُ أفضل أن أمنح بلدي هدنة من نزيف الدم الذي سفكه مبارك ثم عسكره ثم هدد به شفيق.. والآن وقد نزف الدم الزكي مرة أخرى ولاح في الأفق نزيف أشد فحي على الجهاد..

المُتابع لكتاباتي وتعليقاتي يلاحظ أني أحقق التوازن بين شديد سخطي على جماعة الإخوان المسلمين لإسائاتهم المتكررة للثورة وبين الأمانة في التعليق والتحليل، فكنتُ أدافع عنهم إذا ظُلِموا وكنتُ أرد عنهم التهمة إذا كانت بغير بيّنة قاطعة، وعندما خرج بعض الفلول متشحين برداء الثورة يوم 24 من أغسطس وتناثرت تهديدات ضد مقار الإخوان وأشخاصهم رفضتُ هذا بعنف وخرجتُ بنفسي مع بعض زملائي ممن يشاركونني بغض جماعة الإخوان وجلسنا أسفل مقرهم في منطقة القائد إبراهيم للمشاركة في حمايته من أي تهديد، متحملاً في سبيل ما أومن به سخرية واستهزاء ولوم كثيرًا من زملائي من الساخطون على الإخوان.. وأنا لم ولن أندم على هذا الموقف..

كنتُ-وما زلتُ-شديد القسوة في نقدي مرسي إذا أخطأ وشديد الشراسة في الدفاع عنه إذا ظُلِم ومشيدًا به إذا أصاب.. وكنتُ حتى وقت قريب أقول عنه "أنا أثق بهذا الرجل وحسن نواياه ولكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر حزمًا" طلبتُ الحزم لا الاستبداد إذن..


واليوم أخرج ضده وضد نظامه وجماعته إذ أراه ينحدر إلى درك تعلمتُ من تمعني في قراءة تواريخ الأمم والدول والحكام أنه هاوية ساحقة مشتعلة بالنيران يجر إليها المرء نفسه وقومه إذا فعل ما فعل مرسي..

فأولاً طفح الكيل منه إذ يتلكأ في تطهير داخلية مبارك المجرمة-التي عانى هو وجماعته أنفسهم منها-وثانيًا سئمتُ تراخيه في تطهير أجهزة الدولة، وثالثًا انفجرت منه غضبًا بسبب مسئوليته عمّا يحدث في شارع محمد محمود ومحيط وزارة الداخلية إذ لا يتدخل-بغض النظر عمّن بدأ ومن أخطأ-لوقف الدم هناك..

وأخيرًا جاء قراره تحصين قراراته من الطعن ليجعلني أقرر الخروج عليه..

ولأكون واضحًا: فإني موافق بشدة على قراراته بشأن عزل النائب العام الفاسد المفسد وبشأن إعادة محاكمة قتلة الثوار والتحقيق في الجرائم ضدهم وتخصيص محكمة خاصة بذلك، ولكني ضد قراره تحصين قراراته وكذلك انفراده بتحديد "حالة الخطر على الثورة" 

يقول البعض "هو يحصن قراراته ليضمن عدم الطعن على قراريّ النائب العام والمحاكمات" وهذا قول مردود عليه. ألم يكن من الممكن أن يخصص-بالتشاور مع الأمناء والشرفاء حقًا ممن دعموه من أهل التيارات المختلفة-محكمة خاصة من الشرفاء من رجال القضاء لتكون رقيبًا قضائيًا على أية قرارات له طالما أنه-وأنا اتفق معه في هذا-لا يثق بقضاء مبارك الذي يسيطر عليه الفلول؟

يقول البعض كذلك "وهل سيتركه الشعب إذا ما أساء استغلال تلك السلطة؟" وهذا أيضًا مردودٌ عليه بأن سيطرة فرد واحد أو فصيل واحد على جميع مفاصل الوطن يمكنها أن تقتل ثورة الشعب في مهدها وأن تفرقه وتشرذمه وتحكم بطريقة فرّق تسد..

يقول البعض الآخر "هي فترة مؤقتة والرجل نواياه طيبة والشرعية الثورية تتطلب هذا" عفوًا.. ولكن مجمل الثوار لا يرون في الإخوان فصيلاً ثوريًا.. ليس بعد تصريحات قياداتهم ضد إخواننا وهم يموتون برصاص العسكر في محمد محمود الأولى ومجلس الوزراء.. ثم أن النية لا تكفي ..

انظروا قول الله تعالى "ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها".. أي أن كل منا فيه الفاجر والتقي.. والسلطة المطلقة مفسدة ومحراك للشيطان والنفس الأمارة بالسوء.. وقد تعلمتُ من التاريخ أن من يمتلك سلطة كتلك التي منحها مرسي لنفسه عادة ما يتحول خلال وقت قصير إلى طاغية يتوسع في مبدأ "ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب" فيقمع ويكمم ويستبد ويقهر وهو يحسب أنه يُحسِن عملاً.. لن أقول أن مرسي سيقمع معارضيه باسم "حماية الثورة" وهو يجلس على عرش من الجماجم ويطلق الضحكات الشريرة ولكنه قد يفعلها وهو يحسب أنه يخدم الوطن ويفعل ما يرضي الله.. فلماذا نتركه يرتكب فينا وفي نفسه هذا الجرم؟



يقولون "ولماذا تسبقون الأحداث بافتراض السوء؟" ويحكم وهل أضاع من قبلنا إلا أنهم لم يتحسبوا ولم يحذروا؟ إن سلطة كتلك التي اليوم في يد مرسي هي لعنة وباب واسع من أبواب الشيطان وهي مفسدة للحاكم والمحكوم ومضيعة للأمة وعدد من نجوا منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة إذا بلغوا حتى هذا العدد.. فلماذا نقامر بالوطن وبأنفسنا؟

ثم-بحق الله-كيف أثق في نوايا رجل يمنح نفسه سلطة مطلقة وفي ذات الوقت لا يمد إصبعًا واحدًا نحو فسدة الداخلية بل ويعين أحد عتاة الفساد والقمع وزيرًا لداخليته؟

لهذا أخرج اليوم ضد مرسي.. ليس حسدًا له على سلطة.. ولا طمعًا فيها.. بل لو كان أي إنسان آخر في مكانه وفعل ما فعل لخرجت ضده.. فأنا أخرج ضد المبدأ الفاسد ضد متبعه.. ودائمًا أقول أن "النظام" ليس مجرد أشخاص ومؤسسات بل هو قيم فاسدة وأفكار عفنة وممارسات مؤذية أشبه بجينات السرطان لا تعرف متى تنشط وتتوحش.. 


اللهم إنك تعلم أني ما أخرج إلا طلبًا للحق وغضبًا على الباطل وخوفًا على وطني وثورة شعبي.. اللهم إنك تعلم ما في نفسي وتعلم أني على عهدك ووعدك ما استطعت وأني أدعوك ألاّ تكلني لنفسي طرفة عين.. اللهم إنك تعلم أني لا أخرج متبعًا هواي ولا مبتغيًا عرض الدنيا ولا مرائيًا الناس.. فاللهم ثبّتنا وإنصرنا ونقنا من المنتفعين والمتسللين والمدّعين.. اللهم إجعلنا حناجرنا تهدر بطلب حقك وأيدينا تعمل له.. اللهم إن بعض إخواننا بغوا علينا فأظهر حقك عليهم ثم أصلح بيننا وإحقن دمائنا.. اللهم كن معنا ولا تكن علينا.. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه... اللهم إن أصبنا فبفضلك وإن أخطأنا فمنّا فاهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت واجعل الحجة لنا لا علينا واغفر لنا ما لا نعلم.. اللهم سدد إلى خصمنا بيدك لا بأيدينا ولا تكلنا لأنفسنا ولا تدخل بيننا الشيطان.. إنك حي قيوم فبك نستغيث..


lundi 29 octobre 2012

وحشة الطريق


وحدي على المقهى أدخن أرجيلتي بنكهة اكتئابي الثقيلة.. قام عني الأصحاب انشغالا وغاب الآخرون تضجرٍا وتفرغتُ لمحاورة دخاني محاولاً إيجاد عمقًا عبثيًا ما لملامح سحاباته.. أضيف نوعًا جديدًا لبراءات اختراعات قراءة البقايا.. بقايا البن في القدح.. بقايا الخطوات على الرمال.. بقايا الأضاحي في أكبادها المشقوقة..

 لا أفهم ولع الإنسان بآثار من وما يغيب مقارنة بزهده به حين كان موجودًا يشغل مساحته من العالم.. حتى وجوه البشر تجد طريقها أسهل لقلوبنا حين يوضع عليها الشريط الأسود في الركن الأيسر من أعلى الصور.. نرى الحي ميتًا في عيون مشاعرنا حتى إذا مات بعثناه حيًا بالدموع كأنما كان شقيق الروح وربما احتك كتفه قبل أن يرحل بأكتافنا فلم نعره انتباهًا.. الحب فينا رجعي الأثر والبغض والتضجر حالّا الوقوع..

 نسير في الدنيا وقد حمّلنا بعضنا البعض صلبان النسيان في طرق الآلام حتى إذا ما بلغ أحدنا قمة الجبل ورُفع على صليبه تباكينا عليه وهششنا عن رأسه الطير وضممناه لأيقونات القدّيسين وانهلنا نتمسح به تبركًا بنفس أيدينا التي ضفّرنانا له بها تيجان الشوك .. ثم هبطنا عن الجبل نجتاح بعضنا بعضًا بالتناسي والتجاهل ثم نعود كرةً ثانية كل حين، نبكي على أطلال أنفسٍ قتلناها هجرًا كهجر المؤمنين دور من أهلكتهم الصيحة أو أشد هجرًا..


نقرأ لأنفسنا آيات الوعد ونجلد غيرنا بآيات الوعيد.. يشيّد كل منا بلاط مُلكٍ مختصر في مساحته من الدنيا ويحيط نفسه بشعراء المدح ومهرجي السلطان وقد وقف على باب رحمتنا السياف مستلاً العُزلة يهوي بها على من قضينا وطرًا من صحبته أو تشائمنا من طلعته...

نجبر أناسًا لم يتحرروا من فطرة الإنس في طلب الاُنس أن يترهبنوا عن دفء صحبتنا..أديرتهم الوحدة وصوامعهم الوحشة وصلواتهم استجداء كسرة حبٍ وشربة اهتمام يتزودون بها منا للسفر الطويل..نبخل بهما عليهم فيشقوا بطونهم عمّا تبقى فيها من سابق وصلنا فيصنعون منها ولائمًا وسُرُجًا تضيء وحشة طرقهم ويحمدوننا صدقًا وحبًا لجودنا العظيم..ثم يمضون ضنًا بثقلهم على نفوسنا..

رضي الله عن عليّ فحقًا قال:"آه من بُعد السفر.. وقلة الزاد ..ووحشة الطريق"

mercredi 19 septembre 2012

أوافق على مسح جرافيتي الثورة!




"إمسح..وأنا حرسم تاني"
أصبحت هذه العبارة تلخيص العلاقة بين رسامي الجرافيتي والداخلية..كلما رسموا محت هي  رسومهم..وكلما محت أعادوا الرسم..
"كل ما تمسح حرسم تاني"

إصرار يمكننا أن نتفق أو نختلف معه لكنه يستحق الاحترام من فنان ما لا يهتم بوضع توقيعه أو اسمه بقدر ما يهتم بإثبات أن "الحكومة" وجوه تأتي وتذهب بينما الإنسان المصري يبقى ويستمر رسمًا على حائط بيد فنان لا يضايقه أن يكون مجهولاً ما دامت فكرته خالدة..
خلال حكم العسكر لم يكن غريبًا أن تحارب "الحكومة" الجرافيتي..ولكن..في عهد أول رئيس منتخب..يفجعنا مشهد سيارات الداخلية وهي تمحوا رسوم الجرافيتي من شارع محمد محمود..صور الاعتراض على حكم العسكر..صور رفض عودة الفلول..وحتى صور الشهداء..
طبعًا قامت قيامة الثوار..ولكن..أنا لي رأي مختلف معهم..
فأنا أوافق على محو كل جرافيتي الثورة من جدران شارع محمد محمود وكل الشوارع التي حفر الرصاص والخرطوش علاماته في جدرانها وسقت الدماء أسفلت أرضها..
أوافق شريطة أن تقوموا كذلك بمحو ذكرياتنا الأليمة عن أحباء اختطفهم الغدر من بيننا وآخرين اختُطِفَ النور من أعينهم، عن مرارة غدر أصحاب الأطماع بنا وطعنهم إيانا في الظهور بينما كُنا نُقتَل ونقدم أنفسنا قرابين حرية لم يكونوا لينالوا الكراسي لولاها..أوافق على محو كل صور الشهداء ولكن بالله عليكم فلتمحوا معها من ذاكرتنا كل ما جعلنا نعتبر أن كلمة "غدًا" هي من قبيل الترف المُبالَغ فيه..

في رواية "1984" للرائع جورج أورويل كان البطل يعمل في ظل حكم شمولي ديكتاتوري قمعي في مؤسسة إعلامية مهمتها إعادة تشكيل الرأي العام عن طريق "صناعة تاريخ" مشرف للمرضي عنهم وآخر مشين للمغضوب عليهم بل وأحيانًا محو وجود الشخص من التاريخ كله..والغريب أن الشعب كان يتجاوب تمامًا مع تلك اللعبة مسلمًا عقله وروحه وذكرياته لأيدي "صناع لتاريخ"..
لو أنكم تستطيعون أن تفعلوا المثل بنا ..فتفضلوا..ولكن فلتفعلوه ببراعة وإتقان..فلتمحوا كل ذكرياتنا الأليمة، كل لحظة خوف على صديق كان في شارع محمد محمود ولم يرد على مكالماتي وأنا أتصل به لأطمئن أن رصاصة ما لم تختطفه من حياتي..ذكريات أمي وهي تبكي سرًا وهي تعصر قميصي المضرج بدمائي بعد إصابتي في شارع مجلس الوزراء..ذكرى لحظة اختراق الخرطوش للعين اليسرى لصديقي بيد ضابط شرطة كان توًا قد نال الأمان من نفس الصديق! فلتمحوا مع الرسوم دموعًا ساخنة أحرقت قلب شاب من الألتراس بينما هو يكتب على جدار ما في الإسكندرية بعد مذبحة بورسعيد "غندور بطّل يشجع"..وصوت أم مكلومة أبكت رجالاً بشوارب وهي تصيح بلوعة "بيقتلوا الورد يا ولادي!"..هل تستطيعون أيضًا أن تسدونا خدمة جليلة بمحو الصعفة العاتية على كرامة كل منا وهو يرى صورة ست البنات تُسحَل وتعرى بينما أهل الدين يقولون "إيه اللي وداها هناك؟".. فلتعدوني أن تمحوا من ذاكرتنا أن كان يوجد يومًا ثائرًا اسمه مينا دانيال وطبيبًا مناضلاً اسمه علاء عبدالهادي وشيخًا وقورًا اسمه عماد عفت..وعندئذ لكم كامل موافقتنا أن تمحوا رسوم الجرافيتي من كل شبر في مصر..
ولكن بالله عليكم أجيبوا سؤالي: ماذا بينكم وبين صور الشهداء على الجدران لترغبوا في إزالتها من الوجود؟
لقد كنت أفهم غضب العسكر على تلك الرسوم لأنها لأناس ماتوا وهم يهتفون بسقوط حكمهم..فماذا يمسكم منها؟ آه..عفوًا..كيف غاب عني أنها تذكر الداخلية بأن هذه رسوم لوجوه أصحاب نفوس أزهقها رصاص من يُفتَرَض أنهم في خدمة الشعوب وأن في هذه الشوارع فقئت أعين بخرطوش "الباشا" الذي يستحق بجدارة أن يقال له "جدع يا باشا"..كيف غاب عني كذلك أنها تذكر أصحاب الكراسي بخذلانهم لنا بل ومشاركتهم المعنوية في القتل عندما أعطوا القاتل شرعية جريمته بتصريحاتهم أن "هؤلاء الذين في محمد محمود فوضويون مخربون يريدون إسقاط الشرعية وتدمير مكاسب الديموقراطية"..
هذه الرسوم إذن "جائت على الجرح"..
على أية حال أرجو أن تكونوا قد أجدتم اختيار الدهان الذي محوتم به الجرافيتي..فرسومه تلك لم تُرسَم بألوان عادية بل رسمتها قبل ذلك دماء الشهداء والجرحى ودموع أمهاتهم وأصدقاءهم..هذه أشياء لا تُمحَى بسهولة..
فلتمحوا إذن الرسوم مرة والثانية والعاشرة والألف..لا جدوى..فما تمحون إلا رسم قبل يُطبَع على الجدار فقد انطبعت معانيه في نفوسنا وفي أعمق نقطة بأرواحنا..سنبقى كلما مررنا في شارع محمد محمود-وكل شوارع الثورة-نرى بعيون ذاكرتنا وجوه الشهداء ونشم مزيجًا من رائحة الغاز والكمامات المبللة بالخل، ونسمع من بعيد صوت إطلاق الخرطوش، ونلمح من بين الضباب سائقي الموتوسيكلات يتحركون ذهابًا وإيابًا لحمل الجرحى..وقبل أن نغادر الشارع سنلمح من بين كل هذا الزحام علم مينا دانيال يلوح في الأفق..بالمناسبة..أنا لم أكن في شارع محمد محمود عند وقوع ملحمته..لكن صدقوني أنا أحس كل هذا كلما مررت حتى ولو من أمامه..فما بالكم بمن عاش أحداثه..يمكنكم إذن تخيل قوة ذلك الذي تحاولون محوه..فلتبذلوا جهدكم إذن..ولكن لتعلموا أنكم بهذا لا تزيدونا إلا إصرارًا على إعادة ما تحاولون محوه..
ستمحون وجوه الشهداء وقصصهم..ولكننا سنعاود رسمها بالألوان على الجدران..بالكلمات والألحان في أغاني الألتراس..بالحكايات الباسمة والدامعة في قصص الثوار..بالكلمات في كتابتنا وتدويناتنا عن تاريخ الثورة وحتى تغريداتنا على تويتر..بكل ما فينا من مرارات وغضب..فقط سيتغير أنكم ستضيفون أنفسكم لقوائم غضبنا..وستجدون لأنفسكم مكانًا في الجزء الأسود من مشاعرنا التي نترجمها رسومًا وحكيًا وغناءً..

أرونا إذن شطارتكم في محو كل هذا لو استطعتم..أنتم أردتم التحدي..ونحن قبلناه..

فلتكونوا إذن على بينة من القاعدة.."كل ما تمسح...حرسم أكتر!"




mardi 18 septembre 2012

عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية


عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية

اعترف أني قضيتُ عددًا لا بأس به من سنوات عمري اعتقد أن الثور يُستثار باللون الأحمر حتى قرأتُ ذات مرة أنه-الثور-مصاب بعمى الألوان وأنه يستثار فقط من اهتزاز قطعة القماش وصيحات الاستفزاز التي يطلقها مصارعه.نحن إذن أمام ما يمكن تسميته ب"الخداع المزدوج"..فالثور مستفز لسبب غير ذلك الذي يعتقده المشاهدون، وكلاهما لا يعرف ما يفكر فيه الآخر، بينما المتعة كلها للمصارع..ما يزيد الأمر متعة هو أن الثور غاضب من مجرد قطعة قماش وبعض الصيحات ولا يشعر بمساعدو المصارع الذين يهاجمونه من الخلف، هذا يضربه برمح، وهذا يشتت انتباهه، وفي النهاية لا يدري إلا وسيف المصارع مغروز في جسده المنهك بين صيحات استحسان الجمهور!

هل يرى القاريء العزيز معي تشابهًا بين هذا وما كنا فيه الأيام الماضية؟ كنا متنبهين لعدة قضايا:الثورة السورية، العلاقات الخارجية المصرية، بناء الدولة من الداخل، الانتخابات الأمريكية، الدستور المصري القادم، المعتقلين عسكريًا، احتجاجات القطاع التعليمي طلبة ومعلمين وإداريين، عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات، عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، قضية الرئيس السابق لأمن الدولة حسن عبدالرحمن واتهامه باتلاف المستندات، وغيرها..
فجأة لوّح لنا أحدهم بالفيلم المسيء فتملّكنا طبع الثيران-ضخامة وكثرة وقوة بلا عقل-واندفعنا مشهرين قروننا ومطيحين بحوافرنا بكل ما حولنا..

"سقوط 92 شهيدًا في سوريا برصاص قوات الأسد"

"إخلاء سبيل اللواء حسن عبدالرحمن الرئيس السابق لجهاز أمن الدولة"

"فضيحة في كلية الحقوق بالإسكندرية..الطلبة يعثرون على التظلمات التي قدموها لإدارة الكلية ملقاة في صناديق القمامة"

"اختراق إسرائيلي لأجواء قطاع غزة وتوغل بري لبعض الدبابات الإسرائيلية في القطاع"

"المرشح الجمهوري رومني يؤكد أن على أمريكا أن تكون أكثر حزمًا مع مصر ويهدد بقطع المعونة"

"عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات كالإسكندرية والأقصر وشمال سيناء"

ما هذا؟ لا تزعج الثور يا رجل فهو مستمتع بإظهار غضبه واستعراض رجولته أمام الجمهور..طبعًا الجمهور لا يعرف بشأن الفيلم، يعرف فقط أن كل هذا بدأ يوم 11 سبتمبر 2012 أي في الذكرى الحادية عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001..الثور إذن ليس غاضبًا بل هو يحتفل..بم يحتفل؟ بذكرى أسوأ حادثة شهدتها أمريكا؟ حسنًا..إليكم الأنباء السارة..بعض الملايين من الأمريكيين المتابعين للمباراة قد بدأوا مراجعة أنفسهم بين رومني الجمهوري المتطرف وأوباما الديموقراطي اللين..تلك المراجعة التي يعلم الله وحده كيف يمكن أن تنتهي..هل يمكنك أن تلوم من شاهد سفيره يُقتَل وسفاراته تُهاجَم على انتخاب من يتوعد هؤلاء "الهمج المتعصبين" بأن يعلمهم الأدب؟

والثور ما زال يمرح هنا وهناك..لا بد أن بشار الأسد يرقص طربًا الآن، فالثور يقدم فقرة ممتعة تبدو أكثر تسلية للجمهور من مذابح سوريا التي بدأت تسبب لهم "الضجر"..نتنياهو أيضًا منتشي وهو يتابع نشاط قواته في غزة..ماذا عن فلول النظام السابق؟ لا بد لهم من نصيب من المرح..فليمرح الجميع...فبيت الثور نهب مباح والدار أمان طالما أنه يقدم رقصته رافعًا قرنيه بفخر ونشوة!
مصارعة الثيران السياسية كذلك كوميدية بشكل أسطوري، من شاهدوا فيديوهات للاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين في محيط السفارة الأمريكية في القاهرة يمكنهم إدراك مستوى العاطفة الدينية الحارة عند متظاهر يسب الدين للضباط والجنود ثم يتبعها ب"إلا رسول الله يا ولاد كذا"! معذور..فإذا كان شيخًا جليلًا شهيرًا قد أطل علينا برسالة مصورة تفاخر فيها أننا عفيفو اللسان ثم أتبعها بسبة شديدة البذاءة للموجهة إليهم رسالته! والثور المصري لم يتفوق في المرح على شقيقه السوداني الذي يستحق جائزة الابتكار لأنه اكتشف أن السفارة الأمريكية في بلاده تبعد مسافة طويلة عن المسجد فقرر إحراق السفارة الألمانية الأقرب إليه، هذا فضلاً عن الثور اللبناني الذي لم يعرف مكان السفارة فأحرق مطعم دجاج كنتاكي..بحق الله كم هي مرحة هذه الحياة!
ولكن لا بد للمرح من نهاية..فسرعان ما ينغرس سيف المصارع في عنق الثور ومعه شعور بعدم التصديق، يحاول الثور المترنح تعبًا وغدرًا أن ينتصب على قوائمه، أن يضرب المصارع بقرونه-ولكنه يكتشف أن قوائمه قد حطمها الدوران حول "القماشة الحمراء" وأن قرنيه لم يُجعلا للطعن والضرب بل للرفع باعتبار أن رفع القرون علامة الرضا..يحاول حتى أن يطلق خوارًا أخيرًا..لكنه لا يدري بنفسه إلا وهو يتمرغ في التراب المعجون بدمه بين صيحات تحية الجمهور للمصارع المنتصر..وقبل حتى أن يلفظ النفس الأخير يشعر بسكاكين مساعدو المصارع تمزق جسده وتتقاسمه وسط تنبيهات هذا الأخير أن يتركوا له الرأس والكبد والأفخاذ..فللمصارع نصيب الأسد وللمساعد نصيب الضبع..هكذا تقتضي القسمة..
وقبل أن يغمضهما للأبد تقع عينا الثور على سحابات دخان في الأفق تخرج من بيت دكته غارة إسرائيلية، وموظفًا يشعل النار في نفسه أمام قصر الرئاسة المصري لعجزه عن توفير مصاريف المدارس لأولاده، وأمًا سورية تعطي رضيعها الشعيد العناق الأخير..ويسمع من بعيد صوتًا معدنيًا فخورًا يهتف وسط هتافات حشد فرح "مستر ميت رومني..الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية!"
(تم)