لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

lundi 27 décembre 2010

صناعة المسخ بجرة قلم!


"نُفيتُ واستَوطَنَ الأغرابُ في بلدي..ودمروا كل أشيائي الحبيباتِ"
(حسن المرواني-قصيدة أنا وليلى)

"شيوخ منسر على خصرك..يخلوا الملكة خدامة!"
(الحلوة دي-مأمون المليجي)


قيل لهم أن الله عَلَّم بالقلم.. فكسروا الأقلام واستعاروا من الشيطان مخلبه يتخذونه أزميلاً يحطمون به أشياءنا الجميلة وهم يرددن بأصواتهم النشاز أن زهق الحق وجاء الباطل!
بالأمس تلقى آلاف الخريجين درسًا تأخر واضعو المناهج في إضافته للدروس القديمة بكتاب التربية الوطنية:أنت تساوي قرار..تاريخك يساوي قرار..اعتزازك بشيء جميل في حياتك يساوي قرار..مكتوب على ورق صُنِعَ من بواقي قَطع ورق كتاب مدرسي لا يحبك ولا تحبه ,وموَقَع بسن قلم مُشتَرَى من محل خردوات صينية بجنيه وبضع قروش..بلدك تعلمك ثمنك فانتبه!
هذا قرار وضعه من لا تساوي أشياءك"السخيفة"مثقال ذرة في جدول أعمال يومه المزدحم بإفناء نفسه في سبيل الوطن..اتحدث عن وطنه لا وطنك!تلك أمور أكبر منك ,فلا تتساخف وتحدثني عن تفاهاتك العاطفية ,لا تحكي لي عن رائحة اليود الممتزجة برطوبة جدار مبنى مدرستك العتيق في أواخر أيام الامتحان ,ولا عن جدال طفولي عقيم  مع صديق حول"أية مدرسة طلابها أرجل"وأيها أخرج فلانًا وعلانًا من المشاهير ,أو عن شعور مختلط بالحزن والفرح والحيرة من غدًا بعد انتهاء حفل التخرج ,لا تحكي لي عن الكانتين والملعب والماء المتسرب من صنبور لم تحكم إغلاقه بعد انتهاءك من الشرب في آخر دقيقة من الفسحة ,ولا عن السور الذي مررت بجواره خريجًا وانت تحن ليوم قفزت عنه للتزويغ مع أصدقاءك ,لا تضيع وقتي باسترجاعك وجه الدادة العجوز والمدرس الذي نسيت اسمه ولكنك تذكر كم كنت تخشاه دون سبب ,اترك وراءك صورة الممرات وأبواب الفصول وصوت ورق الشجر وهو يتكسر تحت حذاءك في الخريف ,وزيارة عابرة بعد التخرج تلذذت فيها بشعور المرور عبر بوابة المدرسة طواعية لمجرد إلقاء التحية أو إشباع رغبة ملحة في مقابلة المدرس الذي كان يقسم برأس أمه أنك"مش حتفلح" ,لا تحدثني عن انقباضات معدتك وأنت تدخل مكتب المدير أو رئيس القسم ,ثم تنفسك الصعداء وأنت تخرج سالمًا وتغيظ بنظرة عابرة ذلك الواقف مُذَنَّب بجوار الباب ,هل نسيت شيئًا؟آه..استبطائك وقت حصة الحساب ,ضيقك من نطق اسم مدرستك بشكل خاطيء ,تخويف أهلك لك وأنت طفل إن لم تذاكر أن يخرجوك منها ويزجوا بك لمدرسة"عربي"أو"حكومي" ,عن فرحتك يوم الخميس وضيقك ليلة العودة من الإجازة ,شعورك بالتوجس من مراقبين امتحان الثانوية العامة الذين جاءوا من"عالم المدارس الأخرى" ,تسكعك بعد اليوم الدراسي على الترام ,مرورك على عربة الكبدة أو الفول أو بائع الدوم والترمس ,رائحة البرد وهي تحرق أنفك في الشتاء وأنت تقوم من نومك باكرًا لاعنًا ما أخرجك من فراشك الدافي لتسير في الطريق الخالي في الصباح الغائم..هل ما زلت تريد أن تحكي؟أقنعتني..تعالى أحدثك أنا عن طفل في"الابتدائي"ذهب خائفًا إلى مدرسته صباحًا وهو يرجو أن يصلها مبكرًا ليستطيع نقل الواجب من زميله!عن طالب الثانوية العامة الذي سلموه كتابي اللغتين الإنجليزية والفرنسية ولكن بمستوى الحكومة لا بمستوى ما تعلمه في 13 سنة دراسية في مدرسة أجنبية ,عن فرحتك الطفولية عندما تلمح صورة مدرستك في فيلم أو برنامج تلفزيوني..أو عندما تقرأ عنها خبرًا في الجريدة..أية جريدة..هل قرأت خبر مدرستك أمس في الجريدة؟اقرأه جيدًا..قصه وحافظ عليه..فهو الخبر الأخير الذي سيحمل اسمها الذي اعتدت عليه..قبل أن ينزل وحي اللاتِ والعُزى على أحد الكهنة العظام أن ثمة شيء أخير بقي لك لتفخر بالانتماء إليه نسوا ان ينتزعوه منك  ,وهذا ضد ما تقول النصوص الشريفة لكتاب الطواريء المقدس ,عليهم إذن  يضحوا بالاسم قربانًا للشيطان..وفورًا أخرج الكاهن من عبه كتاب تقويض الطالب ,نقل منه الكلمات السحرية مستحضرًا بعلزبول ولوسيفر ,ثم تناول عصاه وختم بها التعويذة بختم النسر.."هوكس بوكس"و"هابرا كادبرا"أصبحتا موضة قديمة..ثمة تميمة جديدة هي"القرار الوزاري"وهي في بلادنا السعيدة كفيلة بتسخير أعتى المردة وترويض أشقى الشياطين الذين أعطتهم القوى العاملة عقد عمل للتصفيق في المؤتمر السنوي للحزب!
..لا أدري لماذا يتردد في ذهني منذ الصباح مقطع من أغنية تتر مسلسل"رفاعة الطهطاوي"كان يقول:"لأن من يتعلم..يفهم ويتكلم..يخرج على تقاليد..ونحن لا نريد تعليم..نريد بَلَم!"
اخرج لوقفة..وقفات..ضع الصورة العتيقة لمدرسة عريقة في صفحتك على الFacebook وعليها شريط أسود..لا فائدة..حاول أن تفهم أنك تخاطب قومًا قالوا لك أن ألف باء يعني"أب" ,علموك A B C  ,صدقوك القول أن 1+1=2 ,لكنهم نسوا أن يعلموك أن تقول"شكر الله سعيكم"لمن جاءك قائلاً"عظم الله أجركم!"
                                                      ***



E G C
(1935-2010)
E B S
(1929-2010)

Lycée Al-Horreya
(1909-2010)

Collège Saint-Marc
(1928-?)

vendredi 24 décembre 2010

مقطعين من رواية"السحرة"لإبراهيم الكوني

السحرة يؤكدون أن الذهب ظِل الحية ,لأنه يجذب الطامعين فتنجو الحية من كيد المعتدين.لأن المخلوق الزائل يرى الأشياء دائمًا مقلوبة.يظن أن حقيقة الأشياء في الأشياء وينسى أن حقيقة الأشياء في ظلال الأشياء.يقوم إلى الحية ليقتلها وينسى أنها لم تسم الحية حية إلا لأنها اختلست من الإنسان الحياة.في حين يؤثر كومًا شقيًا من الغبار لا لشيء إلا لأنه لمع ببارق خداع.
وبرغم أن الزمن أذاع السر العظيم إلا أنه لم يجد اعترافًا من الخلق.ولم يكن هذا الأمر دالاً على حسن حظ الحية فحسب ,ولكن لحكمة دهرية ميزتها عن سائر الكائنات.
السحرة الدهاة وحدهم ادركوا السر ,وحفظوا التميمة القديمة.نقشوا الوصية في الصدور ,وكشفوا لنفوسهم لغزًا خفى على الخلق.كتبوا في التمائم المجوسية بالعبارة المبهمة"الذهب ظل ,والحية أصل.التبر ضياع ,والحية حياة.إسع لنيل الحية واحترس أن تمد يدك إلى كنوز الأرض ,لأن التبر شرك ,والذهب تراب ,والثراء لعنة".منذ ذلك الزمن انقسم أهل الصحراي إلى شطرين.شطر لم يعلم لأنه لم يشأ أن يعلم فبقى في صف الذين لا يعلمون.وفئة قليلة أدركت سر الظلال ,فعلمت ,ووجدت نفسها في ملكوت السحرة الذين لا تخفى عليهم خافية وهم بكل سر عليمون.
ولم يتحول زهد السحرة في الذهب إلى شريعة صحراوية إلا بعد أن مضى الزمان يتقلب بالصحراء امدًا طويلاً.غدر بالأثرياء ورفع المستضعفين إلى أعالي المجد والترف والثراء.أطاح بأمم طغت واستكبرت ,وصنع من الشعوب الوديعة قومًا أكابر.وقد اتخذ الزمان في سيرورته ولعبه بالمصائر ,من الذهب فخًا وكمينًا ووسيلة.ودلل لكل من غفل عن حقيقته أنه بدن الأرض ,بدن الحياة الدنيا ,كما برهن لأولئك الذين ادركوا وعلموا أن جوهر الحياة وسرها ,وروحها ,إنما تتخفى في جلد الحية.وكان من الممكن أن تقدم آيات الزمان(التي رآها الخلق تعجن مصائرهم وترتب شئونهم)برهانًا للفريق الذي لم يعلم ,ولكن هيهات.فالكفة القديمة لم ترجح لصالح أي من الفريقين طوال العراك ,وحتى عندما قام السحرة وتنكروا في ظلالهم مستعيرين الدرس من أحكم مخلوقات البرية وأحيلها فإن الفئة الأخرى لم تقتنع بل رأت في الآية خدعة استعارها السحرة من دهاة"كانو"و"تينبكتو"ومجاهل الأدغال ,ومضت تصلي في محراب الذهب ,وتجري وراء الوميض.
وهكذا بقى الذين لا يعلمون على دينهم ,وبقيت الفئة الأخرى على دينها.
                                           ***
"ما التبر وسبائك الذهب سوى كنز أجوف ,ليس لأنه شقي يتلامع تحت الضوء ,ولكن لأنه ضل منذ زمن الأوائل فأبَى أن يتخذ قناعًا ,وآثر أن يمضي في الصحراء حاسرًا فكان أن امتلكه الجن الذين اتخذهم"وانتهيط"(الشيطان)جنودًا.فاعلم أن حكمة الأوائل تلعن كل مكشوف لم يَتَقَّنَّع ,وترى من لم يتلثم كائنًا ممسوسًا ,مسلوبًا ,والذهب كنز ينتمي إلى هذه العائلة."


 "الوهم في الصحراء أكثر قدرة على التباس الحق.والحق في الصحراء أسرع للتخفي في مسوح الخيال.فإذا أردت أن تعرف الحق من الباطل احتجت لشجاعة السحرة الذين يخرجون للاشتباك مع الغيلان في الليالي.فالباطل أقدر على التشبه بالحق من ملازمة الحق للحق.فاحترس ,ثم احترس ,ثم احترس!"

mardi 14 décembre 2010

حشاش وافتخر

حَشَّاش واَفتَخِر !

أريد أن اعترف للقاريء العزيز بشيء يُثقِل ضميري ويؤرقني ليلاً:أنا شاب في الثلاثين ,أعيش وحدي ,لا أحد يمارس أية رقابة على تصرفاتي بحكم السن والوحدة ,ورغم ذلك..إحم..لم يسبق لي أن شربتُ حشيشًا أو خمرًا ,ولا أحضرت إحدى الفتيات المنفتحات على المجتمع من بابه الخلفي إلى شقتي لممارسة الرذيلة.وأقصى انحراف مارسته كان تدخين البايب لفترة أو شرب الشيشة-نكهة النعناع للأمانة-مرة أسبوعيًا على مقهى أبورجب!
سبب شعوري بالخجل الشديد هو أصبحت مؤخرًا ألقي بكثير من الأشخاص الذين ما أن يعلموا خلو حياتي من الأمور سالفة الذكر إلا ويصابوا بحالة صدمة عاتية وينظرون لي باستنكار شديد نظرة من خاب أملهم فيّ ولم يتخيلوا أني بلغت هذا المستوى من التخلف والانغلاق.
والحقيقة أني اعتذر لهؤلاء جميعًا أمامكم ,فالحقيقة أني كنت أحب أن أكون عند حسن ظنهم فأكون وغدًا رقيعًا منحلاً يخرج كل ليلة ل"شَقط" الرقاعة من على الأرصفة ,ليستطيعوا النوم وهم مطمئنون على مستقبلي الرجولي!
                                                       ***
بحق الله ,بالتأكيد أنا أسخر من هذه العاهات البشرية التي يُبتَلَى بها المرء من وقت لآخر.المصيبة أن هؤلاء قد أصبحت عيونهم قوية وتوفر لديهم قدرًا عاتيًا من"البجاحة"تجعلهم يجاهرون ببلاياهم ولا يستتروا ,بل ويتطاولون على الملتزم باعتبار أنه"خام"و"مقفل"و"محبكها".
ولأكن صريحًا فإني عادة ما أُحَمِّل ذلك الملتزم المغبون مسئولية تطاولهم عليه ,فلو أبدى معهم بعض الحزم ووضعهم في مكانهم الصحيح وتعامل معهم بمنطق"أنا على الصواب وأنتم على الخطأ ومن لا يعجبه منكم حالي فيمكنه ان يحترق بجاز وسخ"لاضطرهم لاحترامه ووضع ألسنتهم في أفواههم  كيلا يضع هو حذاءه فيها.لكن يبدو أن البعض-وللأسف أغلبهم ملتزمون-يضعون الاحترام والضعف في سلة واحدة ,مما يُفقِد الاحترام هيبته.
سأحكي لكم تجربة مررتُ بها في نهاية المراهقة ,كان بين أصدقائي وقتها ثلاثة شباب تربطهم صلة قرابة ,وكانوا يحاولون بشتى الطرق إقناعي أن أسمح لهم باحضار فتاة من إياهن لممارسة الرذيلة في منزلي.بالطبع رفضت بصرامة ,ومع إدراكهم عبث الإلحاح قرروا استفزازي لتأخذني العِزة بالإثم ,وبدأوا يستخدمون أسلوب اتهامي بانعدام الرجولة بشكل متكرر..صبرتُ كثيرًا عليهم ثم ذات مرة تمادوا في الاستفزاز فقررتُ أن الوقت قد حان لإبداء بعض الحزم الرجولي ,ففاجئت"زعيمهم"بإلقائي الماء عليه ,وأغرقت قميصه تمامًا ,فخلعه حتى يجف..كنتُ أنتظر بلهفة أن يخلع القميص لأخلع أنا حزامي وأقوم ب"زنقه"في أحد الأركان وأنهال عليه بالحزام حتى صار يصرخ كالنسوة!
طبعًا من المفروغ منه أنهم لم يفتحوا معي الموضوع مرة أخرى!
أنا لا أدعو للعنف بالطبع ,ولكني اتحدث عن أن هؤلاء أصبحوا يستقوون بكثرتهم ,فعلى سبيل المثال ,كثيرًا ما أسمع أحد مدمني الحشيش-ولا يقولن لي أحد"الحشيش لا يُدمَن"-يقول بفخر عنتري:"الشباب كلهم بيحششوا دلوقتي ,ماحدش مابيشربش!"بسم الله ما شاء الله!يكاد يكتب على صدره"حشاش وافتخر"!

والمستفز أن يكون بين هؤلاء الحشاشين أو الزناة أو شاربي الخمر-أيًا يكن وجه انحرافهم-من يحسبون أنفسهم على الشباب الوطني المهموم بمشاكل الوطن!وتجدهم يخرجون للمظاهرات ويهتفون بمليء حناجرهم!بحق الله أنتم من مشاكل الوطن!وإن قلت لهم هذا لا يخرج قولهم إما عن أن"هذه نقرة وهذه نقرة"أو عن أن"المفرو      ض تدور على سبب إن الشباب بقى كدة"كما قال لي أحد الأصدقاء منذ أيام(وهو أيضًا يشرب الحشيش والخمر ويتعامل مع هذا بمنتهى البساطة باعتباره أمر عادي ,وفي نفس الوقت يتحدث بحرقة عن"هموم الوطن"ويشكو من فساد الحال رغم أنه هو جزء من الفساد!!)..
عفوًا ولكن إن التمست العذر للشاب الجاهل الذي يعيش بين أحراش العشوائيات ولم يجد من يقول له"هذا عيب وهذا حرام"فكيف أعذر شابًا متعلمًا مثقفًا يعرف الخطأ من الصواب؟ فيما يبدو أن البعض يمكنهم ترديد الشعارات أفضل مما يمكنهم العمل بها ,ويمارسون بعنترية إدانة المجتمع الفاسد بينما هم جزء من فساده ,لكن هل تكون لدى أحدهم الشجاعة ليواجه نفسه بفساده ويحاول إصلاحه بدلاً من ممارسة هذا النوع من النفاق والضحك على النفس؟إن كل من هؤلاء يقول لنفسه"هي جت عليَّ؟"ناسيًا حقيقة أن"الكل أكبر من مجموع أجزاءه".
                                                     ***
"المأساة تبدأ حين يصبح الاستثناء هو القاعدة والقاعدة هي الاستثناء" ,عبارة قرأتها يومًا لكن للأسف نسيت قائلها ,ولكن على كل حال أنا أؤمن بها.القاعدة أن مرتكب الخطأ عليه الشعور بالاستياء من نفسه والعار من تصرفه والخجل من نظرة محيطه له ,وإلا فهو-كما يقول علم الإجرام-يحمل أخطر أعراض السايكوباثية ,وهي أعراض عدم الشعور بالذنب عند ارتكاب الخطأ!
أما ما يحدث بالفعل فهو أن لدى هؤلاء المنحرفين نوعًا من العدوانية وتحدي المجتمع تتدرج من المجاهرة بالذنب مرورًا بالتفاخر به ووصولاً لإبداء التصرفات العدوانية ضد الملتزمين دينيًا وأخلاقيًا سواء بالسخرية وعدم الاحترام أو أحيانًا بالأفعال كالاستفزاز البدني والتحرش الجسدي.
وعلاج الظاهرة يتطلب بحث علاقات السببية بين مكوناتها للوصول لأسبابها ,والظاهرة محل حديثي هي متلازمة زيادة تبجح و"نمردة"المنحرفين سلوكيًا قياسًا بانكسار وضعف الملتزمين.في رأيي أن للأمر سببين هامين ,أولهما استقواء المنحرفين بتزايد أعدادهم نتيجة الانهيار الاجتماعي والأخلاقي الذي يعيشه مجتمعنا ,والآخر هو ضعف الارتباط بين الالتزام وقوة الشخصية عند الملتزمين سلوكيًا.
أنا لا أطالب هؤلاء الملتزمين والغيورين على المجتمع أن يسلكوا مسلك بعض المتطرفين في الخروج للشارع في جماعات مسلحة بالجنازير والسياط والعصي لفرض الالتزام بقوة السلاح ,ولكن ثمة آليات للردع الاجتماعي المعنوي ,أبسطها أن يكون الملتزم متنبهًا لأي اشتباه في سخرية غير الملتزم منه ليرد له الصاع صاعين ويضعه في حجمه الحقيقي ,بشكل متحضر.هذا ليس صعبًا ,لكنه يحتاج لبعض الذكاء الاجتماعي والمهارة في التعامل ,وكثير من الإيمان بجدوى تطبيق الحديث القائل أن"المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف."
لو نظرنا للأمر من زاوية دينية فالوضع يتلخص كالآتي:أنا على حق=معي الله
                                                                  هو على باطل=معه الشيطان
اعتقد أنها إهانة للذات الإلهية أن يضعف من معه الله أمام من معه الشيطان!
                                                            ***
"اصفعني مرة..وليغفر الله لَك..اصفعني مرتين..وليغفر الله لي!"
من المضحك حقًا أن نشكو ونتعجب من تسلط السفلة على وطننا بينما لدينا بذرة تسلطهم علينا ببجاحتهم المفرطة وبلطجتهم المادية والمعنوية ,أليس للمحترم لسان يسب سلسفين من يتطاول عليه ويد تردعه ب"قفشه"من مقتله وحذاء يصلح لضربه على دماغه؟طالما لديه كل هذا فلا يلومن إلا نفسه لو أهين وسكت فهو بهذا يشارك في إهانة كل محترم على يد حيوان لا يحمل من صفات الآدمية سوى أوراق من حكومة مشكوك في آدميتها!
إن كان ثمة من"يتنيل"يشرب هبابًا أو يفعل هبابًا ,فل"يتنيل"وهو لازم حدوده ولا يحاول فرض فلسفته الفظة من نوعها على المحترمين الذين قرر كل منهم أن يبقى على حال الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم..وليتفضل هو ويرد نفسه أسفل سافلين سكرًا أوزنًا أو سطلاً ,ولكن في الظلام حيث ينتمي ,لا في النور ,فلا مكان في بقعة النور لمن يحارب النور وإن حسب نفسه ليس كذلك!
وإن كان ثمة من يعاني تجبر هؤلاء ,فل"يسترجل"ويأخذ موقفًا قويًا منهم ,فالمفروض أنه على حق ,ولا يتسبب في ضياع الحق شيء أكثر مما يفعل الضعف في الدفاع عنه..أما من يجد نفسه ضعيفًا عن هذا فحله ليس معي وإنما مع أقرب طبيب يمارس عمليات تحويل الجنس ,أو أي محل لانجيري يمكنه أن يشتري منه سوتيانًا ولباسًا حريميًا ليرتديهما ويقف أمام المرآة ويقول 10 مرات"أنا اسمي مديحة"!
                                                  ***
بقي أن أقول-إحقاقًا للحق-أنه توجد قلة من المنحرفين تمارس انحرافها مع الاعتراف للنفس وللناس أنهم على خطأ ,ومع عدم تعرض للمحترمين ممن ينأون عن هذه الانحرافات ,وأقصى ما لديهم من شطط و"تهييس"فكري هو اعتقادهم أنهم إنما يضرون أنفسهم فحسب وأن فكرة أنهم جزء من فساد المجتمع هي فكرة مبالغة في أمرها..هؤلاء أقول لهم:ربنا يهديكم" ,رغم أن تفكيرهم يحمل أسوأ نوع من أنواع النفاق:نفاق الإنسان لنفسه..
                                                         ***
رسالة أخيرة للشاب المحترم..."خليك راجل بجد!"و لو لم يكن حذاءك من النوع المساعد على التسبب في ضرر"عليه القيمة"لأي ابن"...."يضايقك ,فأنا في الخدمة ,خاصة وأن مقاس حذائي 48 ,واعتقد أن لهذا حكمة ما  ,وبصراحة أنا متحمس لأن اكتشف له استخدامات أخرى تؤكد اعتقادي سالف الذكر!

(تم)




فسادي..فسادَك..فسادنا كلنا

إليك هذا المشهد: أسرة ريفية فقيرة -كبيرة العدد- تتجمع حول طبلية متهالكة عليها طعام بسيط غالبًا بائت. ولأن الأم منهكة من العمل في بيت هذه أو تلك أو مساعدة زوجها في العمل فضلا عن رعاية الأولاد, ولأن الأب مرهق من يوم عمل شاق طويل, فلا مجال لتوزيع "المَنَاب" أي نصيب كل فرد في الطعام القليل أصلاً.. ولأن الابن الأكبر الذي يشقى مع أبيه في العمل لم يشبع فإنه يستكثر نصيب أخيه الأصغر باعتبار هذا الأخير لا يعمل بشكل يستحق معه كل هذا الطعام..

فيأخذ الكبير معظم نصيب الصغير الذي يشكو لأبيه فيزجره قائلاً: "عيب يا واد.. ده الكبير! شقيان وتعبان وبيشيل الحِمل معايا, مش أكل ومرعى وقلة صنعة زيك"، وتصبح تلك العبارة بمثابة قاعدة ثابتة في البيت يُرَد بها على الصغير إذا جار عليه الكبير!

هذا المشهد هو مثال من آلاف الأمثلة لوقائع "فساد" تقع في بيوتنا ويتربى كثير منا على أنها من "المظاهر الطبيعية للحياة".

تخيلوا معي ماذا يكون سلوك هذا "الكبير" إذا رفعته تقلبات الدنيا إلى منصب هو فيه مؤتمن على أرزاق أناس لا يمارسون عمله "الخطير" ولا يتحملون "الأعباء" التي يتحملها! وماذا سيكون موقف "الصغير" من ظلم الكبير له بعد أن تّربّى على أن هذا الأخير له كل الحق في كل ما يفعل ومن يعارضه وغد سيئ الخُلُق؟!

كلنا -حين نتكلم عن الفساد- نذكره بضمير الغائب, مع أنه منا وفينا وعلينا! أتحدث هنا عن الفساد بشكل عام. والسبب أن كلا منا يُستَغرَق في متابعة الفساد العام لدرجة تجاهل فساده الخاص أو حتى عدم إدراكه. وكما قال أحد المفكرين قديمًا: "أعظم إنجاز للشيطان أنه أقنع كثيراً من البشر أنه غير موجود!"

أجل.. فلسبب غير مفهوم يعتقد البعض أن الشياطين المتخصصين في الفساد لا يمارسون عملهم معنا كما يجب, باعتبارهم مشغولين في أمور أكثر أهمية وخطورة! وهي فكرة مفرطة في تنزيه الذات بشكل مريع!.

فالواحد منا لا يلزمه أن يسحب قرضًا بالمليارات بدون ضمان أو أن يُشَغِّل عَبَّارة معطوبة لنقل الرُكاب أو أن يستورد أغذية فاسدة, لنعتبره فاسدًا. فالفساد يتميز بمرونة تعطيه عددًا لا نهائيًا من الأشكال والصور والمساحات, وخطورته تتوقف فقط على موقعه في اللحظة التي يعربد فيها, لكنه في النهاية.. موجود.. الفارق في الموقع بالفعل, فلو أخذنا مثلاً بالمدرس الذي يضطهد التلميذ حتى يعطيه درسًا خصوصيًا, هذا الرجل لو نظرنا إليه مجردًا من صفته المهنية ووضعناه في أي موقع آخر فإنه سيمارس نفس نوع الفساد طالما أن البذرة الأساسية موجودة فيه.

فلو كان ضابط مرور لتعنت في استيقاف السائقين وسحب رخصهم حتى يدفعوا له "المعلوم", ولو كان محاسبًا بالضرائب لقصم ظهور التجار ليعطوه ما فيه النصيب حتى يحسب ضرائبهم بالعدل, ولو كان وزيرًا لإحدى الوزارات ذات الصلة بالعمل التجاري أو الصناعي لأخرج على رجال الأعمال آلاف العفاريت الزرق ليغذّوا أرصدته في سويسرا حتى يعطيهم تصريحات بالعمل هي حقهم من الأساس.. وهكذا.. فقط نصيبه هو ما جعله مدرسًا بسيطًا يعود آخر النهار لمنزله بالبطيخة والجريدة التي يقرأ فيها أخبار الفساد الإداري والحكومي وهو يمصمص شفتيه أسفًا على حال الوطن.

هذا المثال واحد من آلاف الأمثلة, وهو ببساطة يُظهِر لنا أن الفساد موجود في الرجل الفاسد من قبل أن يتولى منصبًا يسمح لفساده أن يكون من النوع الضخم الذي نهتم بمتابعة أخباره في جرائد المعارضة والبرامج الحوارية لنشعر في نهاية اليوم أننا قدّيسين وضحايا ثم ننام قريري الأعين وكل منا يهنئ نفسه أنه -يا بخته- بات مظلومًا لا ظالمًا!

السؤال إذن: أين نقطة البداية؟ متى يبدأ الفساد في التسلل إلينا؟ الإجابة المخيفة أنها ليست نقطة واحدة بل نقاط كثيرة, والإجابة المملة التقليدية -الصحيحة مع ذلك- أن نسبة لا بأس بها من تلك النقاط تبدأ من البيت.

إن بذور الفساد تتكون من خلال مواقف بسيطة, ولكن تلك المواقف لكي تتحول إلى عوامل قوية مكونة لنوع أو أكثر من أنواع الفساد في الفرد يجب أن تمس جانبًا هامًا من حياته وأن تكون لها درجة ثبات معينة, أي أنها تأخذ نفس طريقة "الأعراف والتقاليد" في التكون. وهذا ما يحدث معنا. فنحن نتلقى جرعات مكثفة من الفساد عبر سنوات نشأتنا, فنتلقى فساد "القهر وانعدام حرية الرأي" في البيت من قواعد تربينا عليها تقول: "الكبير دائمًا مُحِق ولو أخطأ في حقك تعتذر أنت له؛ لأنه الكبير".

ونتعلم التفاعل مع الفساد الإداري في مدارسنا من خلال "تظبيط الغياب" أو "ضرب شهادة مرَضية" لمسح أيام الغياب من سجلات المدرسة.. فضلاً عن مشاهدتنا لآبائنا -القدوة والمُثُل- وهم يتفاعلون مع فساد المجتمع بـ"مرونة" دون أدنى محاولة للاعتراض باعتباره أصبح من "قيم وأخلاقيات المجتمع"، وأن معارضته "توقف المراكب السايرة"!، وبالطبع أنا لن أحلل وأفسر هنا في أسطري القليلة ما ينفق علماء النفس والاجتماع كتبًا ضخمة في مجرد سرده!

أعلم أن بعض من سيقرأون هذا المقال سيلوون شفاههم استهزاءًا ويقولون: "ماذا يكون هذا إلى جانب من سرقوا المليارات وأغرقوا الآلاف وأدخلوا لنا الطعام المسرطن؟" أقول لهم: اقرأوا المقال من أوله.. أنا أتحدث عن البذرة التي أنبتت من تتحدثون عنهم.. أتحدث عمن كانوا يومًا أطفالاً مثل أطفالكم أو شبابا كادحين مثلكم أو طلاب ثانوي وجامعة كما أنتم, ثم أصابهم "فيروس" وكَمَنَ فيهم ومارس نشاطه معهم حتى صاروا على ما هم عليه الآن!

أتحدث عن أناس باعتبارهم جزءا من كلمة "نحن" لا "هم"! إن الأمر ليس محاولة للمساواة بين "عذر مرضي كاذب للغياب عن المدرسة" و"ضمان زائف لقرض بمليارات"، بل محاولة لكشف الوجه المشترك بين هذا وذاك لوضع اليد عليه! فكلاهما خطير وشدة خطورة أحدهما لا تنفي خطورة الآخر. ثمة مثل شعبي يقول: "الغجرية سيدة جاراتها"؛ لأن الغجرية (بمعنى السوقية) هي صاحبة الصوت الأعلى.. لكن هل هذا مبرر كافٍ لجعلنا نفترض أن كل جارات الغجرية سيدات مهذبات؟!

أحيانًا نشاهد في الأفلام الأجنبية مشهدًا لمجموعة من المشاركين في برنامج لعلاج الإدمان, يقدم كل منهم نفسه قائلاً: أنا فلان.. وأنا مدمن. فتصفق له المجموعة مهنئة له على شجاعته في الاعتراف بآفته.. هذا ما نحتاجه.

ولأني أحاول تخيل شكل تفاعل القارئ على الجانب الآخر من الصفحة, فإني أتخيل بعضهم الآن يقول: "حسنًا.. نحن مجتمع فاسد.. وماذا بعد؟" لا شيء.. لا أريد سوى الشِقّ الأول.. أن نعترف جميعًا أن الفساد ليس مجرد فساد بعض رجال السلطة, ولا بعض رجال الأعمال, ولا بعض الموظفين, بل هو فساد مجتمعي كامل تحول لدينا إلى نمط حياة صنعناه جميعًا.. أنا لا أريد هنا تقديم حلول.. ولا طرح اقتراحات..

كل ما أريده أن تكون لكل منا الشجاعة أن يتأمل مظاهر "فساده الشخصي" ثم يقول بنفس الشجاعة وبكل جدية: "مرحبًا.. أنا فلان.. وأنا فاسد!"

mercredi 1 décembre 2010

تُفاخِر أنك لا تنخَدِع لأحد وقد انخدعت لنفسك منذ زمن ,فأي حمق أن تدمن تكثيف المعطيات لتَخرج بالنتائج المُرضية لرغبتك الإحساس أنك مرغوب فيه ,بِغَض النظر عن واقع تشكو الآن سأمه من وهمك الكبير.ما تفعله لا يختلف كثيرًا عن حين كنت تراجع إجاباتك بعد الامتحان وتريعك كثرة أخطاءك فتُسَفِهها وتعيد توزيع الدرجات في خيالك مرات متواصلة لتصل لأنك تستحق الامتياز قبل أن يدهمك الرسوب المريع.
أفسدتَ بانعدام صبرك أثر نجاحك في الافتعال ,أهدرت كل الإحساس بالسخف لتقافزك معهم في حفل مطربهم المفضل ,إظهارك الانبهار المبالغ في أمره باقتباس من أغنية أو رواية لا تراها في الحقيقة بهذه الروعة ,إدعاءَك الإعجاب الشديد بعمق مزيف لعمل أدبي متوسط المستوى  كتبه أحدهم أو مدحك المفرط لصورة فوتوغرافية ليس فيها جديد لمجرد أن كلهم فعلوا ذلك ,تمثيلك الحماس لأشياء تلوي شفاهك إزدراءً إذ ترى غيرك يفعلها ,كل ما كنت تفعل على مضض لتحس أنك"منهم"لإدراكك صعوبة أن يحبوك فقط لأنك أنت..كان ينبغي لك التريث حتى تستقر الفكرة فيهم ,لكنك-كعادتك السقيمة-تسرعت في طلب المقابل ,تواطأ عليك تسرعك مع واقع أن لديك حدودًا لا يمكنك تجاوزها بالافتعال ولو في سبيل الاندماج في الدائرة.
يصدمك فشلك المريع ,تحاول خداع نفسك مجددًا بأن تكرر على مسامعها أنك الأقرب لهم ,أنك الصديق المقرب لكل منهم ,والأخ الأكبر الذي لا يستغنون عنه ,نفس سياسة تكثيف المعطيات المؤذية ,ولكن هذه المرة مع إضافة موهبة جديدة في"خلق معطيات"ليس لها وجود.أن تجمع موقفًا من هذا مع كلمة عابرة من ذاك ,تلملمهم لتصنع صورة واهية ترضيك مؤقتًا ,وكلما اهترأت الصورة بحثت عن نتفة قول أو فعل جديدة ترقعها بها ,حتى تهتريء نقطة أخرى..وهكذا..وحين تنفذ رقعك وتريعك كثيرة الثقوب في اللوحة تفعل أكثر ما تجيده:الاكتئاب!


يمكنك أن تستمر في تلك اللعبة إلى ما لانهاية ,إلى أقصى احتمال اكتئابك وألمك حين تسمح لنفسك بلمحة حقيقة تريك وضعك الحقيقي بينهم.إلى أقصى طاقة مثابرتك على أمل أن تنجح يومًا في أن تكون"منهم" ,أن تكون مرغوبًا منهم ,شريكًا لهم في الأشياء الصغيرة التافهة التي تصنع أجمل الذكريات ,في مشروع لا يكتمل لتراخي أطرافه ,صورة مهزوزة تزيد ملامحك بشاعة ,مزحة سمجة على صفحتك أو صفحة أحدهم...تلك الأشياء التي يستنكر الجميع اكتراثك لها فقط لأنهم ليسوا محرومون منها...ولأن بعضهم يعتقد أن عالمك أكبر من ذلك بكثير..مجرد عدم فهمهم احتياجك تلك"السفاسف"يعني أن عليك التساؤل إن كانوا حقًا بهذا القُرب الذي تتصوره منك ومن فهم كيف تفكر.
يمكنك أن تستمر..لأقصى قدرتك أن تقنع نفسك كما واجهتك الحقيقة الموجعة أنك شخصية مصابة بالبارانويا وعاشق للدراما وتضخيم الأمور كما يحاولون دومًا اقناعك صراحة وضمنًا..
يمكنك أن تكتم غيرتك من تهليل بعضهم لبعض لأقل كلمة أو صورة ,بينما تعاني أعمالك تجاهلهم أو اهتمامهم المفتعل على سبيل"أداء الواجب" ,ولكنا دعنا نعترف أن غيرتك هذه تشجعك على أن تقدم الجديد ..لعل وعسى..
يمكنك كذلك-وهذا ضروري-أن تكتم ما في صدرك تمامًا خوفًا من أن تؤثر شكواك الدائمة على انطباع بعض من تعلم أن أمرك يهمهم  وتخشى أن تخسرهم أو على الأقل تخسر قوة علاقتك الإنسانية بهم.أن تحافظ على مضض على صداقة بعضهم فقط لأنك تعلم أنك إن قاطعته فستزداد بعدًا عن الدائرة مع أول"خروجة"يضطرون فيها للمفاضلة بين وجودك أو وجوده...والنتيجة معروفة مسبقًا.
يمكنك أن تقوم الآن بعد أن تطهرت بإفراغك تلك الكلمات ,تعد لنفسك كوبًا من الشاي ,تقرأ قليلاً أو تعمل أو تنام ,عالمًا أنك في عصر اليوم ستتصل بكل منهم مُستجديًا ساعتين تقضيهما معه-أو معهم-حتى لا تقضي ليلتك وحيدًا في بيت جدرانه باردة...ثم ستذهب ,تثرثر وتضحك وأنت تعيش لحظات من إيهام نفسك أنك ذلك الشخص المرغوب فيه بينهم..


ولا تنسى إذا تذكر أحدهم أن يسألك عن تلك الكلمات التي كتبتها أن تجيبه بأنها مجرد خواطر لا تعبر عنك..ستكون هذه إجابة مريحة لحرجك ,ومريحة لرغبته أن لا يصدع رأسه بهرائك المعتاد..وأنت تحب أن تريح وتستريح!تذكر أن أهم ميزة لكونك كاتبًا هي أنك تستطيع حقًا أن تلعب في تلك المساحة بين"التعبير عن ذاتك"و"مجرد رسم صورة أدبية".


وفي النهاية..الحياة تستمر..والاتهام بالحساسية المفرطة وإدمان الدراما أحيانًا يصلح كحل يريحك من وجع الدماغ..ولا بأس بنوبة اكتئاب من حين لآخر على سبيل كسر ملل الحياة طالما أن الحياة-كالمعتاد-تستمر!


فقط أرجوك ,لا تفعلها ثانية-أعني"تكثيف المعطيات"-وتتوقع أن يهتم أحدهم حقًا بجدية ما وراء تلك السطور..دعنا نعترف أن التجاهل أحيانًا يساعد على استمرارية الحياة

lundi 15 novembre 2010


الـــعِـــطـــر....قِصة قاتل

"كان قلبه قصرًا أرجوانيًا في صحراء من الصخور..خلف الهِضاب ,وسط واحة من البحيرات وخلف أسوار حجرية سبعة.لا يمكن الوصول إليه إلا طيرانًا.فيه ألف حجرة وألف قبو وألف إيوان ,بينها إيوان فيه كنبة أرجوانية ,يرتاح عليها ,بعد يوم مُجهِد."

"سيكون رَب العطور القوي الجبار ,كما كان في خياله ,لكنه سيكون ربًا في العالم الحقيقي وربًا لبشر حقيقيين.وأدرَك أنه قادر على ذلك.فقد يستطيع الناس أن يغمضوا عيونهم في وجه العَظَمَة ,في وجه الرعب ,في وجه الجمال ,وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان أو الكلمات الخلابة ,غير أنهم لا يستطيعون النفاذ من الرائحة.فالرائحة شقيقة التنفس وبها سيتغلغل في صميم البشر ولن يستطيعوا مقاومته إذا أرادوا الحياة.والرائحة تدخلهم ,تدخل قلوبهم وفيها يميزون بين الاحتقار والاستحسان ,بين الاشمئزاز والرغبة ,بين الكراهية والحب.سيد القلوب من يسود الروائح."



(من رواية:العطر..قصة قاتل.  للكاتب الألماني باتريك زوسكند)

رواية عبقرية..يصبح فيها العِطر أكسيرًا يحَوِّل مهووسًا به إلى قاتل متسلسل يقتل بدم بارد ليجمع روائح البشر.



samedi 13 novembre 2010

احمد شعبان : ضحية تعذيب جديدة بقسم سيدي جابر




عندما يتحول حماة الوطن إلى أعداءه

مَن يتذكّر الشهيد "علي خاطِر"الذي سقط شهيدًأ بيد الإرهاب خلال تلك الفترة الدامية من الثمانينات وحتى منتصف التسعينات؟.. لا أعتقد أن عدد مَن يتذكّرونه مِن أبناء هذا الجيل كما كان من أبناء جيلي -جيل الثمانينيات- والعيب ليس على مَن لا يذكرونه، بل على مَن قاموا بالتشويش على ذكراه، وذكرى شهداء الشرطة الأبرار، الذين سقطوا في أيام كانت فيها الشرطة -إلى حد ما- في خدمة الشعب بالفعل!


كيف جرى ذلك؟ كيف انتقل رجل الشرطة من خانة البطل حامي المواطنين إلى خانة الخصم الأول لنفس المواطنين؟! ذلك الرجل الذي كان رجل الشارع يتعاطف معه خلال عِقدَي الثمانينيات والتسعينيات عندما كانت مصر تعيش حربًا ضارية ضد الجماعات الإرهابية، وكانت موجات الاستنكار الشعبي لتعرّضه للاستهداف من الإرهابيين قوية ملحوظة، وحتى الطفل كانت إجابته التقليدية على سؤاله عن طموحه هي "عايز أطلع ظابط"، بل كان بعض أطفال بعض الطبقات البسيطة يصرّون على أن تكون ملابس العيد "بدلة ضابط"، وكانت اللعبة الأكثر شعبية بينهم هي "عسكر وحرامية"..


نفس الطفل الذي كانت أقواله وأفعاله الطفولية تشي باحترام الشرطة صار هو الشاب الذي يخرج في مظاهرات ضد ممارساتها مع المواطنين، والصحفي الذي يهاجمها بقلمه، والحقوقي الذي ينشر المقالات والفيديوهات المُدينة لأفرادها، ومن يدري؟ ربما أصبح مصير هذا الطفل كخالد سعيد وعماد الكبير، ضحية لهذا الشرطي الذي كان يومًا ما مثله الأعلى!


أنا نفسي كنت هذا الطفل يومًا، وكنتُ المراهق الذي تألّم للقتل الغادر للشهيد "علي خاطر"، ولكل شهداء الشرطة، واليوم أنا الشاب الذي قال منذ أيام قليلة في دردشة مع بعض أصدقائه إنه لو وجد يومًا شرطيًا غارقًا في دمائه على قارعة الطريق، فلن يلتفت له، ولن يكترث لموته أو نجاته، حتى لو كان بيدي أن أنقذه! يومها سألت نفسي: كيف تحولْتُ لصاحب هذا الرأي الصادم؟ هذا وأنا الرجل المثقف الذي لا يقبل الأذى للناس، فماذا عمن هم أقل ثقافة وأكثر غضبًا؟ كيف يمكن أن يصل الغضب بالكثيرين -وأنا في النهاية واحد منهم- لهذا الحدّ من الشعور العدواني الأسْود لأفراد الشرطة بهذا التعميم الذي اعترف أنه ظالم؟


إن ذلك يقودني لإجابة مخيفة: لقد انتقل جهاز الشرطة -بأكمله- في الضمير الجماعي للمواطنين من تصنيفه كحامي للوطن إلى تصنيفه كفرد في قوات احتلال هذا الوطن وأعدائه.. صحيح أن قلة ترفض هذا التعميم، ولكن ثمة واقع يقول إنها "قلّة"، ومن المؤكد أن كونها كذلك لم يحدث عبثًا!



"الأمن في مصر ليس ظالمًا.. بل غشيمًا!".. هذا رأيٌ كثيرًا ما أقوله عندما أشترك في نقاش حول الممارسات اللا إنسانية لجهاز الشرطة، بالله هل من وصف آخر لعملية "تسخين الغضب الشعبي" التي تمارسها أجهزة الأمن، كأنما تسير على تعليمات كتاب "كيف تقيم ثورة ضدك"؟! تعالَ ننظر لذلك الذي يتعرّض لقهر الشرطة وظلمها، هو غالبًا شخص بسيط ومصدر كسبه محدود، ويحمل تلاً من المسئوليات، ولديه من الهموم ما يكفيه وزيادة، وفوق ذلك يلقيه سوء طالعه في طريق رجل شرطة "مفتري" يمارس معه القهر أو الظلم أو التعذيب -ماديًا أو معنويًا- وغالبًا يتمادى في ذلك لأقصى الحدود.


 بحقّ الله كيف يضمن ذلك الشرطي ألا يكون ذلك المواطن المطحون من كل جانب قد قرر أن "يستبيع" ويرد العنف بعنف؟ ما هي احتمالات أن يقرر هذا الرجل أن "العملية خسرانة خسرانة"، ويسحب سلاح هذا الضابط أو يكون معه سلاح أبيض -لو كان من أهل ذلك وهُم كُثُر- أو حتى يترصّد للضابط، ويقتله؟ لا أريد أن يُفهَم كلامي على أنه دعوة للعنف، ولكن لو تحدثتُ عن نفسي فإني -لو وُضِعتُ مكان هذا الرجل- سأفعلها! وفي المرات القليلة التي خرجت فيها لمظاهرة كنتُ أحمل في داخلي تصميمًا أنني لو تعرضتُ لمحاولة إيذاء بدني ولو بالجذب من مخبر أو عسكري أو ضابط فإني سأردّ العنف بعنف أشد، ولو سقطتُ قتيلاً! هذا تفكير شاب متعلّم معروف أنه يكره العنف (وقد وجدتُ أن الكثير من الشباب المثقّف يتفق معي فيه)، فماذا عن المواطن ضعيف الثقافة حارّ الدماء؟ صحيح أن هذا لم يحدث حتى الآن إلا نادرًا (كصدام الباعة الجائلين في منطقة ميامي بالإسكندرية مع قوة الإزالة).



ولكن من يضمن عدم حدوثه؟ إن رجلاً محاصَرًا بالأعباء المالية، مطحونًا اجتماعيًا وماديًا، ضعيف الثقافة، يحمل سخطًا على كل السلبيات التي تخنقه، وغضبًا عاتيًا من تعرّضه لتجبّر هذا أو ذاك، ورغبة في الانتقام لا تسمح له ثقافته أن يتخيلها إلا بالذراع، هذا الرجل هو آخر خصم أتمنى مواجهته ولو من بعيد! ولكن فيما يبدو جهاز الشرطة بلغ من الثقة بنفسه مرحلة التعامي عن حقيقة أن مثل هذا الرجل قابل للوجود، رغم أن تجارب سيئة للشرطة مع هذا النوع من الأشخاص.. فمن ينسى -مثلاً- ما حدث منذ عدة سنوات من مهاجمة قسم شرطة المنتزه بالإسكندرية، وتحطيمه، وإلقاء قنابل مولوتوف عليه من قِبَل رجال أحد كبار التجار بالمدينة، بعد أن قام أحد ضباط القسم بقتل ابنه؛ لمقاومته محاولة هذا الضابط سرقة كلبه البوليسي؟!

السؤال الكابوسي: ماذا لو أصبح كل هؤلاء الغاضبين أكثر تنظيمًا، وتحوّل الأمر لمواجهة قوّة فقدت شرعيتها بمخالفتها القانون بشكل منهجي، لقوة شعبية قرّرت أن تأخذ حقها بيدها؟ ألن يكون هذا إعادة لمصر إلى بحر الدماء الذي كادت تغرق فيه يومًا، وإهدارًا لدماء الشهداء الذين راحوا وهم يحاولون إخراجها منه؟!



الجدير بالذكر أن تجاوزات رجل الشرطة تسمح بالفعل بمقاومته -طبقًا للقانون- حيث يكفل القانون حق الدفاع الشرعي عن النفس لمن يتعرض لتصرف يشكل خطرًا على نفسه أو أهله أو أصدقائه أو ماله، وهو لا يكفله للمجني عليه فقط، بل لأي مواطن يرى ذلك التعدي من مواطن -أيًا كانت صفته- على مواطن آخر! أي أن رجل الشرطة الذي يتصرّف بشكل مخالف للقانون يجعل نفسه عُرضة للمقاومة، وبالتأكيد لن يستجيب الشرطي لمقاومة المواطن له إلا بالعنف، والعنف لا يولّد إلا العنف.. وهنا سيفقد الشرطي شرعيته القانونية ويتحوّل لـ"خارج على القانون"، بينما يتحوّل المواطن إلى "منفذ للحق في الضبط للجاني المتلبس بفعل مخالف للقانون"! لاحظ أننا نتحدّث عن شرطي واحد، ومواطن واحد، ماذا لو تحدّثنا عن جهاز شرطة كامل ينتهج العنف الزائد والتعذيب.. في مواجهة مواطنين غاضبين قرّروا عدم السكوت على ذلك؟!



بهذا الشكل وبهذه الحسبة البسيطة سنرى أن انتهاج الأمن -بطريقة منظّمة متعمدة متكررة- لأساليب منافية للقانون مثل: إساءة معاملة المواطنين، تعذيب المتهمين، استخدام العنف مع الناشطين السياسيين، الاعتقال بدون أسانيد قانونية... إلخ ينقل رجاله من خانة "حماة الوطن" إلى خانة "أعداء الوطن".. المشكلة أن رد الفعل لن يكون دائمًا في شكل وقفات احتجاجية ومظاهرات منددة ودعاوى قضائية منظّمة، فلنلاحظ أننا نعيش في بلد به نسبة مخيفة من الجهل والأمية والقابلية لممارسة العنف الدموي!

ما الحل إذن لتتجنّب مصر مثل هذا الرعب القادم؟ الحل -ببساطة- في يد الشرفاء من رجال الشرطة، فرغم تفشي الفساد لا يمكن افتراض أن 100% من رجال الشرطة فاسدون مخالفون للقانون.. هناك شرفاء!!
والكرة الآن في ملعبهم؛ لأنهم يجب أن يُدركِوا أن في الوضع الحالي تنطبق القاعدة -التي أكرهها كثيرًا- في أن الحَسنة تخصّ.. والسيئة تعُمّ..

                                                          الكرة في ملعبهم إذن...



ضَرب جِدعان


"عارفين ليه زمان كانوا بيقولوا إن السجن للجدعان؟عشان كانوا في السجن بينضربوا بالكرباج ويستحملوا..عشان رجالة..وجدعان."
حاولت بعقل لا تزيد خبرته بالحياة-بالكاد-على 11عامًا أن أفهم العلاقة بين تحمل الضرب بالكرباج-فضلاً عن قبوله-وبين الرجولة والجدعنة لكني عجزت عن ذلك ,وعندما رفعت يدي لأطرح عليه سؤالي قاطعني جرس الحصة التالية..
بعد هذا الموقف بحوال ست سنوات كنت أسير مع صديقي فوجدت تجمهرًا حول شابين أحدهما ضخم غليظ الملامح ثائر كذكر غوريللا في موسم التزاوج والآخر وسيم شديد النحول يشترك منظاره الطبي مع شعره الناعم المصفف بعناية وقميصه المكوي ذو الياقة المنشاة والكتاب تحت إبطه في منحه مظهرًا نموذجيًا ذكرني بصورة ذلك الفتى الأبدي المتواجد في كتب قراءة المرحلة الإبتدائية.كان الضخم يمسك النحيف من تلابيبه بعنف ويهزه بقسوة متوعدًا إياه بالضرب والسحل وأشياء أخرى تدخل في إختصاص شرطة الآداب ,بينما كان المُبَهدَل أعلاه هادئًا كأنما تلك التهديدات موجهة لشخص آخر.
أهل الخير حاولوا التدخل لفض الإشتباك..لكن نظرة من الثور البشري الهائج جعلت كل منهم يفكر في أوجه أخرى للخير لا تتضمن تقطيع هدوم المُخَلِص ,كما يقول المثل الشهير.لم يبقى لديهم سوى نظرات الإشفاق على المسكين الذي رماه قدره في براثن إنسان الغاب الذي بدا للجميع مُصِرًا على رؤية الدماء..كل هذا والشاب/الفريسة مستسلم للقبضة العاتية التي أخذت تطيره يمينًا ويسارًا كدمية مفككة الأوصال..بدا مستسلمًا بشكل مستفز ,لكن ماكان أكثر إثارة وإستفزازًا هو التصرف التالي له.فبغتة ,مد يده وخّلص قميصه من اليد القابضة عليه دافعًا خصمه للوراء وقد ظهر من قوة دفعته أن خلف ذلك الجسد النحيل قوة لا يشي بها..إنفرجت الحلقة البشرية المحيطة به لتتيج له الفرصة للفرار من الضخم الذي ثبتته دهشته للحظات كانت تكفي ضحيته لتهرب بعيدًا ..إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث ,فالفتى النحيل تقدم من الضخم خالعًا منظاره الطبي بهدوء ومناولاً إياه لأحد الواقفين ثم بنفس الهدوء أخرج قميصه من بنطلونه وفك أزراره ثم خلعه وناوله لآخر ووقف معتدلا وقد بدت عظام قفصه الصدري وذراعيه النحيلتين وقال لخصمه بصوت خالٍ من التعبيرات:"ها أنا ذا..تفضل..افعل ما شئت ولن أمنعك"
صوته-رغم هدوءه-دوى كفرقعة عالية في ليلة صامتة..تسمر المشهد وبدونا كتماثيل متقنة الصنع في متحف الشمع..لم يعد يتحرك سوى الصدر النحيل الذي أخذ يصعد ويهبط بسرعة تشي بإنفعال صاحبه الذي حافظ على سكينته المثيرة ..صوت أنفاسه العالية بدا في آذاننا زاعقًا يطل منه ترقب الخطوة التالية من صاحب العضلات المفتولة المتسمر في دهشة وإرتياب من مناورة أو خدعة ما في الأمر..
خطوة متوجسة تلتها ثانية أقل توجسًا فأخرى واثقة ثم إمتدت كف الذراع المفتولة تقبض على الساعد النحيل بقوة مخالب صقر ..تعلقت أعينن بالمشهد نحاول توقع التالي الذي سرعان ماجاء صادمًا متمثلا في ضربة عاتية من ركبة الشاب الضخم أصابت أسفل بطن النحيل الذي أطلق شهقة معذبة وإنحنى للأمام ثم تحامل على نفسه معتدلا منتظرًا ضربات تالية لم تتأخر عن بلوغ فم معدته ثم أنفه ثم صدره وبطنه وكل ماطالته يدا خصمه الذي إعترته غضبة عاتية جعلته يعصف بالمسكين ولا يرحم سقوطه أرضًا بل يكمل بقدميه ما بدأته يداه وما أوقفه-على ما يبدو-سوى التعب..فتراجع للخلف وهو يلهث..ثم إستدار وذهب لسبيله دون أن يلتفت للجسد الدامي المتورم الملقى أرضًا خلفه..
ولأن أهل الخير تذكروا فجأة أنهم كذلك ,فقد هبوا لمساعدة الضحية ,هذا يناوله كوب ماء وذاك يحاول إجلاسه ليستريح وآخر يمسح الدم عن وجهه بمنديل متسخ ,هذا غير من عرضوا الإتصال بالإسعاف..لكن الفتى شكرهم جميعًا وتناول قميصه ومنظاره وإرتداهما ثم إتجه لمحطة الترام القريبة بهدوء من لم يتعرض لل"طحن"منذ ثوانٍ قليلة.
فور إنتهاء المشهد العجيب لم يقصر المشاهدون في إعطاء التحليلات والتفسيرات المتنوعة ,رغم أن معظمها يحتاج لمعرفة مسبقة بالشابين لإستنتاج نصفه..لكنها العادة المصرية الأثيرة!
بعضهم حاولوا تتبع الفتى-من باب الإطمئنان على سلامته ,ربما ,أوالفضول ,غالبًا-بينما إنضم أغلبهم لحلقة النقاش المفتوح حول ملابسات وأسباب الحادث..
حتى الآن ,لا أدري لماذا قفزت لذهني وقتها تلك العبارة القديمة عن الربط بين الضرب والجدعنة ,وكذلك لا أدري لماذا إنضممت لمن إتجهوا لمحطة الترام بحثًا عن الشاب..لكن ما عرفته وتأكدته منه منذ فترة بسيطة ,هو لماذا واتتني حينذاك تلك الرغبة القوية في صفع ذلك الفتى المضروب على وجهه أو على الأقل توجيه بصقة قوية إليه..



فَوضى الضحك والبكاء

"ساعات عيوننا في الأسَى تفرَح.. وساعات في ساعة الفَرَح مِنَوَّحَة"..
 (عبد الرحمن الأبنودي)

بحق الله! يبدو أن الفوضى لم تعد تقتصر على حياتنا المادية فحسب، فتسلل بعضها لمشاعرنا وانفعالاتنا وإلا ففَسِّروا لي -دام عزّكم- ذلك التراقص اللامفهوم لانفعالاتنا -معشر المصريين- بين الضحك والبكاء ومشتقاتهما وولعنا بكل منهما على حِدة بنفس الدرجة الكبيرة!

دعونا نعترف أن هذا ليس وجه التناقض الوحيد في طباع مجتمع أعيَت تناقضاته الصارخة علماء الاجتماع. ولكنه التناقض الأكثر قِدمًا فينا، وهو الأكثر بروزًا أيضًا. فنحن المجتمع الذي اخترع النكتة وصَدّرها للعالم وخرجت منه أوائل الرسوم الكاريكاتورية والحكايات الساخرة من أعتى الهموم. نحن كذلك من تذوقنا "فَن الحزن" في صوت الناي ومواويل الجنوب وقصص الذين ذهبوا ولم يعودوا.

لطالما أطلتُ التفكير في تلك الكيمياء النفسية الغريبة التي تضع حزنًا وفرحًا في معادلة واحدة، فلماذا لا تشاركونني ذلك؟

منذ سنوات كتب الراحل العظيم أستاذ عبد الوهاب مطاوع في كتابه "وقت للسعادة.. وقت للبكاء" أنه حين يشاهد زفة عروس، تدمع عيناه بعكس ما هو مفترض ممن يحضر مناسبة سعيدة كهذه، ولكنه يبرر ذلك بأنه لا يملك نفسه من الإشفاق على تلك الفتاة التي تخرج من بيت أهلها إلى بيت وعالم جديدين ودنيا تنتظرها يعلم الله وحده إن كان فيها شقاؤها أم سعادتها. أستاذ مطاوع وصف جزءًا شديد العمق من المكونات الانفعالية للمصري الذي يعد أكثر أهل الأرض قدرة على إخراج مشهد يجمع ملامح الفرح وملوحة الدموع مع خروج كل منهما من القلب مباشرة.. ذلك المصري الذي وصفه هيرودوت بأنك إن نظرت لوجهه من بعيد فإنك لا تعرف إن كان يضحك أم يبكي.

التفسير القوي -في رأيي- لظاهرة بروز الحزن في أقصى حالات البهجة هو ما تكوَّن في الوجدان الجمعي للمصريين من إدراك داخلي لتقلبات الدهر، يتساوى في ذلك القارئ للتاريخ والأحداث المطّلع على أحوال البشر، وذلك الذي يقتصر نشاطه على الجري وراء لقمة العيش يومًا بيوم. وذلك الإدراك -بدوره- لديَّ تفسير منطقي له، استخرجته من كثرة نظري في تاريخ مصر، وهو أن المصريين كشعب ترتبط حياته بشكل مباشر وغير مباشر بالنيل، قد اعتاد تقلّب هذا الأخير عبر العصور وما يرتبط بذلك من أسباب القحط والرخاء. ذلك التقلب ترك أثره بأن جعل لدى المصري توقع تلقائي لما يكره إذا رأى ما يحب، والعكس بالعكس، وجعله أكثر حكمة من أن يرى اليُسر دون أن يلمح العُسر في ذيله! ثم إن تعاقُب الخطوب على المصريين -خاصة في السنوات الأخيرة- وتحملهم البَليَّة تلو الأخرى قد جعلهم يرتابون في لحظات السعادة والانفراجات القليلة في حياتهم الشاقة، مما يجعل استقبالهم للوقائع السعيدة مشوبًا بالتشكك؛ لأن الأمر "أجمل من أن يكون حقيقياً" وأنه "توجد إنَّ في الحكاية" حتى أنك حين تقرأ أو تسمع قصة حقيقية مقدمتها سعيدة تبقى في حالة ترقب لتلك اللحظة التي تتبدل فيها الأمور، وتستغرب -أو ربما تصاب بخيبة الأمل- لو انتهت القصة على خير أو لم تكن جرعة النكد كما ينبغي لها من الكثافة! بشكل أكثر اختصارًا، يمكننا أن نُشَبِّه المصري بذلك الرجل الجائع المفترش الرصيف الذي تعطيه رغيفًا صغيرًا فيأكله وهو يتلفت منتظرًا اليد التي تهبط عليه وتحرمه لحظة الشبع العابرة.

وإن كان ما سلف تفسيراً مقبولاً -كما أرجو- لظاهرة جمع الحزن والسعادة في مشهد واحد، فهو ليس كذلك بالنسبة لما أسميته "تَذَوُق فَن الحزن" في الثقافة الحياتية للمصري، ذلك التذوق الذي يجعل الفلاحين يطربون للمواويل الحزينة، والنسوة العجائز يبحثن عن قصص المأسوف على شبابهم ممن راحوا ولم يرجعوا، والشباب يدمنون سماع الأغنيات الحزينة بالذات، فضلاً عمن يهوون قراءة وسماع المآسي والمحن الإنسانية. تلك المسألة لها تفسيراتها كسابقتها، فبالنسبة للسعي خلف لحظات من الشجن، فتفسيره المباشر هو أن المرء ربما يرغب أحيانًا في تطهير نفسه من بقايا أحزان قديمة أو آلام مدفونة في تلافيف الذاكرة، فيقوم بعملية تفريغ من وقت لآخر لمشاعره السلبية في لحظات يبكي فيها قلبه وتدمع عيناه، ثم يعود لعالمه وحياته وقد "استراح" كما يقول حين يُسأل عما يفعل. والبعض الآخر يبحث في القصص الحزينة عن عزاء له في أحزانه الخاصة، بطريقة "من يرى بلوى غيره تهون عليه بلواه".

وبشكل عام، نستطيع أن نقول إن ذلك "السعي الجدي" من المصري لأن يعيش بعض لحظات الحزن "الصناعي" ربما يرجع لرغبة -تكونت في وجدانه الجمعي- أن يحصل على "حصانة" ضد توابع الأحزان والمحن المفاجئة، وهذا من خلال تلقيه "جرعات" من الحزن على طريقة راسبوتين الذي أعطى نفسه حصانة من السُم بتناول جرعات منه يوميًا!

خلاصة الحديث في شِق "الحزن والبكاء" برمته أن المصري ينطبق عليه أحيانًا الوصف بأنه "يريد جنازة يشبع فيها لطمًا".. وبصراحة أنا أرى أنه من الصحي نفسيًا أن يفعل هذا من حين لآخر لو أن في ذلك زيادة لقوته في مواجهة محنه القاسية وتحدياته الحياتية الكبيرة. أما عن توقعه الدائم للشر فهو في رأيي مناسب جدًا لزمن أصبحت البارانويا فيه فضيلة في بعض الأحيان!


فلنقلب العُملة وننظر لوجهها الآخر وهو قدرة المصري الكبيرة على انتزاع أعلى الضحكات من أعتى المآسي. يريحني التفسير المباشر لذلك بأن "شر البلية ما يضحِك" بما في ذلك من اقتناع تام بأن مجتمعنا قد بلغ -منذ زمن طويل- مرحلة "شر البلية" أو ربما تجاوزها كما يتضح من غزارة الإنتاج الأدبي والفني الساخر من مصائب وكوارث المجتمع المتصاعدة كمًا وكيفًا!

أما لو حاولنا البحث عن تفسير للتفسير، بمعنى أن نبحث عن سر كون "شر البلية" يُضحِك فهذا ببساطة لأن من يعيش "شر البلية" أمامه أمر من اثنين بخلاف الانتحار الذي هو كفر برحمة الله: إما أن يُجَنّ أو أن يضحك ويتعامل بالمثل الفرنسي: "إن لم تستطع مقاومة الاغتصاب فاستمتع به!" ويحاول أن يخرج بفائدة بسيطة ولو معنوية من مآزقه المتتالية التي حولت حياة المواطن المصري المتوسط إلى "مأزق واحد كبير" فهو يضحك على مظلمته وعلى من ظلمه وعلى نفسه ويحول كل ذلك لنكتة كبيرة، يسبّ ويلعن ظالمه ويضحك عليه في نفس الوقت في مزيج غريب ربما لا تجده سوى لدينا، ونلاحظ أن هذا النوع من الضحك مرتبط غالبًا -إن لم يكن دائمًا- بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم والتغيرات المادية والاجتماعية الناتجة عن ذلك. وهذا الأمر بالذات قديم قِدَم مصر ذاتها، فمنذ عصر الفراعنة وُجِدَت الرسوم الساخرة من علية القوم بأيدي صغارهم، وتاريخنا الثقافي ثري بالسخرية من الأحداث والحكام والمجتمع من شعراء العصرين المملوكي والعثماني، الذين سلّطوا ألسنتهم على الولاة والسلاطين، وفي العصر الحديث أساطين السخرية من الفساد والطغيان كرائد الصحافة المصرية يعقوب صنوع والشاعر المشاغب أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام، انتهاءً بالأدباء الشباب ممن سخروا من بلايانا كأحمد خالد توفيق وبلال فضل وأسامة غريب وغيرهم.. الخلاصة أن المصري أبَى أن يجعل من حزنه قبرًا لضحكاته، فحوّله لمصدر من مصادر الضحك المسروق كأنما يقول لمحنه: "بالعنِد فيكِ سأضحك"، وربما هذا ما يجعل للنكتة المصرية عمقًا كبيرًا وبُعدًا إنسانيًا تستحق به أن تكون موضع الدراسات الأدبية والاجتماعية الأكاديمية المحترمة، فهي ليست مجرد "مزحة حول واقع أليم" بقدر ما هي تعبير عن موقف جماعي شعبي تكوّن عبر الزمن في ضمير المصريين فاستحق أن ينضم لمكونات الثقافة المصرية الأصيلة..

كما أن وجود عقيدة "الثواب والعقاب" في الديانات التي تتابعت على المصريين، جعلت لديهم ذلك الشِق القدري من التفكير فيكون لديهم إيمان حقيقي بقول الشاعر أحمد بن عروس: "لا بد من يوم معلوم.. تترد فيه المظالم.. أبيض على كل مظلوم.. وأسود على كل ظالم".. فكأنهم يضحكون من جهل الظالم بعاقبة ظلمه ومما ينتظرهم من فرحة إنصاف الله لهم يومًا ما، تلك الثقة التي يستمدونها من المضامين الدينية وقصص العِبَر القديمة.. هذا فضلاً عما سلف ذكره من طبيعتهم كشعب نيلي استمد جزءً كبيرًا من عقيدته الحياتية من تقلبات نيله العتيد فأدرك حقيقة "التغير" كأحد أهم مكونات طبيعة الحياة.

المؤلم أن الضحك على الأحزان كلما علا صوته، كان ذلك دليلاً على عمق مصدره -الجرح- واتساعه، مما يجعلنا ندرك أن نكتة المصري تُضحِكك حين تسمعها وتبكيك حين تفهمها.

حسنًا.. وماذا بعد؟ أطرح على نفسي السؤال قبل أن يطرحه عليّ القارئ: "تحدثتَ عن الضحك والبكاء والمصريين والهموم وتذوق الحزن.... إلخ إلخ وماذا بعد ما قيل؟"

لا شيء.. فقط هي مجرد محاولة للتفكير والتأمل في ظاهرة هامة تستحق النظر، وهي أعمق وأوسع من أن أضع لها في بعض السطور "خلاصة" أو "نتيجة" أو "تحليل".. وبهذا فأنا أرى -وأرجو أن يتفق معي القارئ- أني قد قمتُ بما عليّ، ويكفيني أن أكون قد استفززت أذهانكم لتتأملوا معي.. يكفيني تمامًا!