لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

lundi 15 novembre 2010


الـــعِـــطـــر....قِصة قاتل

"كان قلبه قصرًا أرجوانيًا في صحراء من الصخور..خلف الهِضاب ,وسط واحة من البحيرات وخلف أسوار حجرية سبعة.لا يمكن الوصول إليه إلا طيرانًا.فيه ألف حجرة وألف قبو وألف إيوان ,بينها إيوان فيه كنبة أرجوانية ,يرتاح عليها ,بعد يوم مُجهِد."

"سيكون رَب العطور القوي الجبار ,كما كان في خياله ,لكنه سيكون ربًا في العالم الحقيقي وربًا لبشر حقيقيين.وأدرَك أنه قادر على ذلك.فقد يستطيع الناس أن يغمضوا عيونهم في وجه العَظَمَة ,في وجه الرعب ,في وجه الجمال ,وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان أو الكلمات الخلابة ,غير أنهم لا يستطيعون النفاذ من الرائحة.فالرائحة شقيقة التنفس وبها سيتغلغل في صميم البشر ولن يستطيعوا مقاومته إذا أرادوا الحياة.والرائحة تدخلهم ,تدخل قلوبهم وفيها يميزون بين الاحتقار والاستحسان ,بين الاشمئزاز والرغبة ,بين الكراهية والحب.سيد القلوب من يسود الروائح."



(من رواية:العطر..قصة قاتل.  للكاتب الألماني باتريك زوسكند)

رواية عبقرية..يصبح فيها العِطر أكسيرًا يحَوِّل مهووسًا به إلى قاتل متسلسل يقتل بدم بارد ليجمع روائح البشر.



samedi 13 novembre 2010

احمد شعبان : ضحية تعذيب جديدة بقسم سيدي جابر




عندما يتحول حماة الوطن إلى أعداءه

مَن يتذكّر الشهيد "علي خاطِر"الذي سقط شهيدًأ بيد الإرهاب خلال تلك الفترة الدامية من الثمانينات وحتى منتصف التسعينات؟.. لا أعتقد أن عدد مَن يتذكّرونه مِن أبناء هذا الجيل كما كان من أبناء جيلي -جيل الثمانينيات- والعيب ليس على مَن لا يذكرونه، بل على مَن قاموا بالتشويش على ذكراه، وذكرى شهداء الشرطة الأبرار، الذين سقطوا في أيام كانت فيها الشرطة -إلى حد ما- في خدمة الشعب بالفعل!


كيف جرى ذلك؟ كيف انتقل رجل الشرطة من خانة البطل حامي المواطنين إلى خانة الخصم الأول لنفس المواطنين؟! ذلك الرجل الذي كان رجل الشارع يتعاطف معه خلال عِقدَي الثمانينيات والتسعينيات عندما كانت مصر تعيش حربًا ضارية ضد الجماعات الإرهابية، وكانت موجات الاستنكار الشعبي لتعرّضه للاستهداف من الإرهابيين قوية ملحوظة، وحتى الطفل كانت إجابته التقليدية على سؤاله عن طموحه هي "عايز أطلع ظابط"، بل كان بعض أطفال بعض الطبقات البسيطة يصرّون على أن تكون ملابس العيد "بدلة ضابط"، وكانت اللعبة الأكثر شعبية بينهم هي "عسكر وحرامية"..


نفس الطفل الذي كانت أقواله وأفعاله الطفولية تشي باحترام الشرطة صار هو الشاب الذي يخرج في مظاهرات ضد ممارساتها مع المواطنين، والصحفي الذي يهاجمها بقلمه، والحقوقي الذي ينشر المقالات والفيديوهات المُدينة لأفرادها، ومن يدري؟ ربما أصبح مصير هذا الطفل كخالد سعيد وعماد الكبير، ضحية لهذا الشرطي الذي كان يومًا ما مثله الأعلى!


أنا نفسي كنت هذا الطفل يومًا، وكنتُ المراهق الذي تألّم للقتل الغادر للشهيد "علي خاطر"، ولكل شهداء الشرطة، واليوم أنا الشاب الذي قال منذ أيام قليلة في دردشة مع بعض أصدقائه إنه لو وجد يومًا شرطيًا غارقًا في دمائه على قارعة الطريق، فلن يلتفت له، ولن يكترث لموته أو نجاته، حتى لو كان بيدي أن أنقذه! يومها سألت نفسي: كيف تحولْتُ لصاحب هذا الرأي الصادم؟ هذا وأنا الرجل المثقف الذي لا يقبل الأذى للناس، فماذا عمن هم أقل ثقافة وأكثر غضبًا؟ كيف يمكن أن يصل الغضب بالكثيرين -وأنا في النهاية واحد منهم- لهذا الحدّ من الشعور العدواني الأسْود لأفراد الشرطة بهذا التعميم الذي اعترف أنه ظالم؟


إن ذلك يقودني لإجابة مخيفة: لقد انتقل جهاز الشرطة -بأكمله- في الضمير الجماعي للمواطنين من تصنيفه كحامي للوطن إلى تصنيفه كفرد في قوات احتلال هذا الوطن وأعدائه.. صحيح أن قلة ترفض هذا التعميم، ولكن ثمة واقع يقول إنها "قلّة"، ومن المؤكد أن كونها كذلك لم يحدث عبثًا!



"الأمن في مصر ليس ظالمًا.. بل غشيمًا!".. هذا رأيٌ كثيرًا ما أقوله عندما أشترك في نقاش حول الممارسات اللا إنسانية لجهاز الشرطة، بالله هل من وصف آخر لعملية "تسخين الغضب الشعبي" التي تمارسها أجهزة الأمن، كأنما تسير على تعليمات كتاب "كيف تقيم ثورة ضدك"؟! تعالَ ننظر لذلك الذي يتعرّض لقهر الشرطة وظلمها، هو غالبًا شخص بسيط ومصدر كسبه محدود، ويحمل تلاً من المسئوليات، ولديه من الهموم ما يكفيه وزيادة، وفوق ذلك يلقيه سوء طالعه في طريق رجل شرطة "مفتري" يمارس معه القهر أو الظلم أو التعذيب -ماديًا أو معنويًا- وغالبًا يتمادى في ذلك لأقصى الحدود.


 بحقّ الله كيف يضمن ذلك الشرطي ألا يكون ذلك المواطن المطحون من كل جانب قد قرر أن "يستبيع" ويرد العنف بعنف؟ ما هي احتمالات أن يقرر هذا الرجل أن "العملية خسرانة خسرانة"، ويسحب سلاح هذا الضابط أو يكون معه سلاح أبيض -لو كان من أهل ذلك وهُم كُثُر- أو حتى يترصّد للضابط، ويقتله؟ لا أريد أن يُفهَم كلامي على أنه دعوة للعنف، ولكن لو تحدثتُ عن نفسي فإني -لو وُضِعتُ مكان هذا الرجل- سأفعلها! وفي المرات القليلة التي خرجت فيها لمظاهرة كنتُ أحمل في داخلي تصميمًا أنني لو تعرضتُ لمحاولة إيذاء بدني ولو بالجذب من مخبر أو عسكري أو ضابط فإني سأردّ العنف بعنف أشد، ولو سقطتُ قتيلاً! هذا تفكير شاب متعلّم معروف أنه يكره العنف (وقد وجدتُ أن الكثير من الشباب المثقّف يتفق معي فيه)، فماذا عن المواطن ضعيف الثقافة حارّ الدماء؟ صحيح أن هذا لم يحدث حتى الآن إلا نادرًا (كصدام الباعة الجائلين في منطقة ميامي بالإسكندرية مع قوة الإزالة).



ولكن من يضمن عدم حدوثه؟ إن رجلاً محاصَرًا بالأعباء المالية، مطحونًا اجتماعيًا وماديًا، ضعيف الثقافة، يحمل سخطًا على كل السلبيات التي تخنقه، وغضبًا عاتيًا من تعرّضه لتجبّر هذا أو ذاك، ورغبة في الانتقام لا تسمح له ثقافته أن يتخيلها إلا بالذراع، هذا الرجل هو آخر خصم أتمنى مواجهته ولو من بعيد! ولكن فيما يبدو جهاز الشرطة بلغ من الثقة بنفسه مرحلة التعامي عن حقيقة أن مثل هذا الرجل قابل للوجود، رغم أن تجارب سيئة للشرطة مع هذا النوع من الأشخاص.. فمن ينسى -مثلاً- ما حدث منذ عدة سنوات من مهاجمة قسم شرطة المنتزه بالإسكندرية، وتحطيمه، وإلقاء قنابل مولوتوف عليه من قِبَل رجال أحد كبار التجار بالمدينة، بعد أن قام أحد ضباط القسم بقتل ابنه؛ لمقاومته محاولة هذا الضابط سرقة كلبه البوليسي؟!

السؤال الكابوسي: ماذا لو أصبح كل هؤلاء الغاضبين أكثر تنظيمًا، وتحوّل الأمر لمواجهة قوّة فقدت شرعيتها بمخالفتها القانون بشكل منهجي، لقوة شعبية قرّرت أن تأخذ حقها بيدها؟ ألن يكون هذا إعادة لمصر إلى بحر الدماء الذي كادت تغرق فيه يومًا، وإهدارًا لدماء الشهداء الذين راحوا وهم يحاولون إخراجها منه؟!



الجدير بالذكر أن تجاوزات رجل الشرطة تسمح بالفعل بمقاومته -طبقًا للقانون- حيث يكفل القانون حق الدفاع الشرعي عن النفس لمن يتعرض لتصرف يشكل خطرًا على نفسه أو أهله أو أصدقائه أو ماله، وهو لا يكفله للمجني عليه فقط، بل لأي مواطن يرى ذلك التعدي من مواطن -أيًا كانت صفته- على مواطن آخر! أي أن رجل الشرطة الذي يتصرّف بشكل مخالف للقانون يجعل نفسه عُرضة للمقاومة، وبالتأكيد لن يستجيب الشرطي لمقاومة المواطن له إلا بالعنف، والعنف لا يولّد إلا العنف.. وهنا سيفقد الشرطي شرعيته القانونية ويتحوّل لـ"خارج على القانون"، بينما يتحوّل المواطن إلى "منفذ للحق في الضبط للجاني المتلبس بفعل مخالف للقانون"! لاحظ أننا نتحدّث عن شرطي واحد، ومواطن واحد، ماذا لو تحدّثنا عن جهاز شرطة كامل ينتهج العنف الزائد والتعذيب.. في مواجهة مواطنين غاضبين قرّروا عدم السكوت على ذلك؟!



بهذا الشكل وبهذه الحسبة البسيطة سنرى أن انتهاج الأمن -بطريقة منظّمة متعمدة متكررة- لأساليب منافية للقانون مثل: إساءة معاملة المواطنين، تعذيب المتهمين، استخدام العنف مع الناشطين السياسيين، الاعتقال بدون أسانيد قانونية... إلخ ينقل رجاله من خانة "حماة الوطن" إلى خانة "أعداء الوطن".. المشكلة أن رد الفعل لن يكون دائمًا في شكل وقفات احتجاجية ومظاهرات منددة ودعاوى قضائية منظّمة، فلنلاحظ أننا نعيش في بلد به نسبة مخيفة من الجهل والأمية والقابلية لممارسة العنف الدموي!

ما الحل إذن لتتجنّب مصر مثل هذا الرعب القادم؟ الحل -ببساطة- في يد الشرفاء من رجال الشرطة، فرغم تفشي الفساد لا يمكن افتراض أن 100% من رجال الشرطة فاسدون مخالفون للقانون.. هناك شرفاء!!
والكرة الآن في ملعبهم؛ لأنهم يجب أن يُدركِوا أن في الوضع الحالي تنطبق القاعدة -التي أكرهها كثيرًا- في أن الحَسنة تخصّ.. والسيئة تعُمّ..

                                                          الكرة في ملعبهم إذن...



ضَرب جِدعان


"عارفين ليه زمان كانوا بيقولوا إن السجن للجدعان؟عشان كانوا في السجن بينضربوا بالكرباج ويستحملوا..عشان رجالة..وجدعان."
حاولت بعقل لا تزيد خبرته بالحياة-بالكاد-على 11عامًا أن أفهم العلاقة بين تحمل الضرب بالكرباج-فضلاً عن قبوله-وبين الرجولة والجدعنة لكني عجزت عن ذلك ,وعندما رفعت يدي لأطرح عليه سؤالي قاطعني جرس الحصة التالية..
بعد هذا الموقف بحوال ست سنوات كنت أسير مع صديقي فوجدت تجمهرًا حول شابين أحدهما ضخم غليظ الملامح ثائر كذكر غوريللا في موسم التزاوج والآخر وسيم شديد النحول يشترك منظاره الطبي مع شعره الناعم المصفف بعناية وقميصه المكوي ذو الياقة المنشاة والكتاب تحت إبطه في منحه مظهرًا نموذجيًا ذكرني بصورة ذلك الفتى الأبدي المتواجد في كتب قراءة المرحلة الإبتدائية.كان الضخم يمسك النحيف من تلابيبه بعنف ويهزه بقسوة متوعدًا إياه بالضرب والسحل وأشياء أخرى تدخل في إختصاص شرطة الآداب ,بينما كان المُبَهدَل أعلاه هادئًا كأنما تلك التهديدات موجهة لشخص آخر.
أهل الخير حاولوا التدخل لفض الإشتباك..لكن نظرة من الثور البشري الهائج جعلت كل منهم يفكر في أوجه أخرى للخير لا تتضمن تقطيع هدوم المُخَلِص ,كما يقول المثل الشهير.لم يبقى لديهم سوى نظرات الإشفاق على المسكين الذي رماه قدره في براثن إنسان الغاب الذي بدا للجميع مُصِرًا على رؤية الدماء..كل هذا والشاب/الفريسة مستسلم للقبضة العاتية التي أخذت تطيره يمينًا ويسارًا كدمية مفككة الأوصال..بدا مستسلمًا بشكل مستفز ,لكن ماكان أكثر إثارة وإستفزازًا هو التصرف التالي له.فبغتة ,مد يده وخّلص قميصه من اليد القابضة عليه دافعًا خصمه للوراء وقد ظهر من قوة دفعته أن خلف ذلك الجسد النحيل قوة لا يشي بها..إنفرجت الحلقة البشرية المحيطة به لتتيج له الفرصة للفرار من الضخم الذي ثبتته دهشته للحظات كانت تكفي ضحيته لتهرب بعيدًا ..إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث ,فالفتى النحيل تقدم من الضخم خالعًا منظاره الطبي بهدوء ومناولاً إياه لأحد الواقفين ثم بنفس الهدوء أخرج قميصه من بنطلونه وفك أزراره ثم خلعه وناوله لآخر ووقف معتدلا وقد بدت عظام قفصه الصدري وذراعيه النحيلتين وقال لخصمه بصوت خالٍ من التعبيرات:"ها أنا ذا..تفضل..افعل ما شئت ولن أمنعك"
صوته-رغم هدوءه-دوى كفرقعة عالية في ليلة صامتة..تسمر المشهد وبدونا كتماثيل متقنة الصنع في متحف الشمع..لم يعد يتحرك سوى الصدر النحيل الذي أخذ يصعد ويهبط بسرعة تشي بإنفعال صاحبه الذي حافظ على سكينته المثيرة ..صوت أنفاسه العالية بدا في آذاننا زاعقًا يطل منه ترقب الخطوة التالية من صاحب العضلات المفتولة المتسمر في دهشة وإرتياب من مناورة أو خدعة ما في الأمر..
خطوة متوجسة تلتها ثانية أقل توجسًا فأخرى واثقة ثم إمتدت كف الذراع المفتولة تقبض على الساعد النحيل بقوة مخالب صقر ..تعلقت أعينن بالمشهد نحاول توقع التالي الذي سرعان ماجاء صادمًا متمثلا في ضربة عاتية من ركبة الشاب الضخم أصابت أسفل بطن النحيل الذي أطلق شهقة معذبة وإنحنى للأمام ثم تحامل على نفسه معتدلا منتظرًا ضربات تالية لم تتأخر عن بلوغ فم معدته ثم أنفه ثم صدره وبطنه وكل ماطالته يدا خصمه الذي إعترته غضبة عاتية جعلته يعصف بالمسكين ولا يرحم سقوطه أرضًا بل يكمل بقدميه ما بدأته يداه وما أوقفه-على ما يبدو-سوى التعب..فتراجع للخلف وهو يلهث..ثم إستدار وذهب لسبيله دون أن يلتفت للجسد الدامي المتورم الملقى أرضًا خلفه..
ولأن أهل الخير تذكروا فجأة أنهم كذلك ,فقد هبوا لمساعدة الضحية ,هذا يناوله كوب ماء وذاك يحاول إجلاسه ليستريح وآخر يمسح الدم عن وجهه بمنديل متسخ ,هذا غير من عرضوا الإتصال بالإسعاف..لكن الفتى شكرهم جميعًا وتناول قميصه ومنظاره وإرتداهما ثم إتجه لمحطة الترام القريبة بهدوء من لم يتعرض لل"طحن"منذ ثوانٍ قليلة.
فور إنتهاء المشهد العجيب لم يقصر المشاهدون في إعطاء التحليلات والتفسيرات المتنوعة ,رغم أن معظمها يحتاج لمعرفة مسبقة بالشابين لإستنتاج نصفه..لكنها العادة المصرية الأثيرة!
بعضهم حاولوا تتبع الفتى-من باب الإطمئنان على سلامته ,ربما ,أوالفضول ,غالبًا-بينما إنضم أغلبهم لحلقة النقاش المفتوح حول ملابسات وأسباب الحادث..
حتى الآن ,لا أدري لماذا قفزت لذهني وقتها تلك العبارة القديمة عن الربط بين الضرب والجدعنة ,وكذلك لا أدري لماذا إنضممت لمن إتجهوا لمحطة الترام بحثًا عن الشاب..لكن ما عرفته وتأكدته منه منذ فترة بسيطة ,هو لماذا واتتني حينذاك تلك الرغبة القوية في صفع ذلك الفتى المضروب على وجهه أو على الأقل توجيه بصقة قوية إليه..



فَوضى الضحك والبكاء

"ساعات عيوننا في الأسَى تفرَح.. وساعات في ساعة الفَرَح مِنَوَّحَة"..
 (عبد الرحمن الأبنودي)

بحق الله! يبدو أن الفوضى لم تعد تقتصر على حياتنا المادية فحسب، فتسلل بعضها لمشاعرنا وانفعالاتنا وإلا ففَسِّروا لي -دام عزّكم- ذلك التراقص اللامفهوم لانفعالاتنا -معشر المصريين- بين الضحك والبكاء ومشتقاتهما وولعنا بكل منهما على حِدة بنفس الدرجة الكبيرة!

دعونا نعترف أن هذا ليس وجه التناقض الوحيد في طباع مجتمع أعيَت تناقضاته الصارخة علماء الاجتماع. ولكنه التناقض الأكثر قِدمًا فينا، وهو الأكثر بروزًا أيضًا. فنحن المجتمع الذي اخترع النكتة وصَدّرها للعالم وخرجت منه أوائل الرسوم الكاريكاتورية والحكايات الساخرة من أعتى الهموم. نحن كذلك من تذوقنا "فَن الحزن" في صوت الناي ومواويل الجنوب وقصص الذين ذهبوا ولم يعودوا.

لطالما أطلتُ التفكير في تلك الكيمياء النفسية الغريبة التي تضع حزنًا وفرحًا في معادلة واحدة، فلماذا لا تشاركونني ذلك؟

منذ سنوات كتب الراحل العظيم أستاذ عبد الوهاب مطاوع في كتابه "وقت للسعادة.. وقت للبكاء" أنه حين يشاهد زفة عروس، تدمع عيناه بعكس ما هو مفترض ممن يحضر مناسبة سعيدة كهذه، ولكنه يبرر ذلك بأنه لا يملك نفسه من الإشفاق على تلك الفتاة التي تخرج من بيت أهلها إلى بيت وعالم جديدين ودنيا تنتظرها يعلم الله وحده إن كان فيها شقاؤها أم سعادتها. أستاذ مطاوع وصف جزءًا شديد العمق من المكونات الانفعالية للمصري الذي يعد أكثر أهل الأرض قدرة على إخراج مشهد يجمع ملامح الفرح وملوحة الدموع مع خروج كل منهما من القلب مباشرة.. ذلك المصري الذي وصفه هيرودوت بأنك إن نظرت لوجهه من بعيد فإنك لا تعرف إن كان يضحك أم يبكي.

التفسير القوي -في رأيي- لظاهرة بروز الحزن في أقصى حالات البهجة هو ما تكوَّن في الوجدان الجمعي للمصريين من إدراك داخلي لتقلبات الدهر، يتساوى في ذلك القارئ للتاريخ والأحداث المطّلع على أحوال البشر، وذلك الذي يقتصر نشاطه على الجري وراء لقمة العيش يومًا بيوم. وذلك الإدراك -بدوره- لديَّ تفسير منطقي له، استخرجته من كثرة نظري في تاريخ مصر، وهو أن المصريين كشعب ترتبط حياته بشكل مباشر وغير مباشر بالنيل، قد اعتاد تقلّب هذا الأخير عبر العصور وما يرتبط بذلك من أسباب القحط والرخاء. ذلك التقلب ترك أثره بأن جعل لدى المصري توقع تلقائي لما يكره إذا رأى ما يحب، والعكس بالعكس، وجعله أكثر حكمة من أن يرى اليُسر دون أن يلمح العُسر في ذيله! ثم إن تعاقُب الخطوب على المصريين -خاصة في السنوات الأخيرة- وتحملهم البَليَّة تلو الأخرى قد جعلهم يرتابون في لحظات السعادة والانفراجات القليلة في حياتهم الشاقة، مما يجعل استقبالهم للوقائع السعيدة مشوبًا بالتشكك؛ لأن الأمر "أجمل من أن يكون حقيقياً" وأنه "توجد إنَّ في الحكاية" حتى أنك حين تقرأ أو تسمع قصة حقيقية مقدمتها سعيدة تبقى في حالة ترقب لتلك اللحظة التي تتبدل فيها الأمور، وتستغرب -أو ربما تصاب بخيبة الأمل- لو انتهت القصة على خير أو لم تكن جرعة النكد كما ينبغي لها من الكثافة! بشكل أكثر اختصارًا، يمكننا أن نُشَبِّه المصري بذلك الرجل الجائع المفترش الرصيف الذي تعطيه رغيفًا صغيرًا فيأكله وهو يتلفت منتظرًا اليد التي تهبط عليه وتحرمه لحظة الشبع العابرة.

وإن كان ما سلف تفسيراً مقبولاً -كما أرجو- لظاهرة جمع الحزن والسعادة في مشهد واحد، فهو ليس كذلك بالنسبة لما أسميته "تَذَوُق فَن الحزن" في الثقافة الحياتية للمصري، ذلك التذوق الذي يجعل الفلاحين يطربون للمواويل الحزينة، والنسوة العجائز يبحثن عن قصص المأسوف على شبابهم ممن راحوا ولم يرجعوا، والشباب يدمنون سماع الأغنيات الحزينة بالذات، فضلاً عمن يهوون قراءة وسماع المآسي والمحن الإنسانية. تلك المسألة لها تفسيراتها كسابقتها، فبالنسبة للسعي خلف لحظات من الشجن، فتفسيره المباشر هو أن المرء ربما يرغب أحيانًا في تطهير نفسه من بقايا أحزان قديمة أو آلام مدفونة في تلافيف الذاكرة، فيقوم بعملية تفريغ من وقت لآخر لمشاعره السلبية في لحظات يبكي فيها قلبه وتدمع عيناه، ثم يعود لعالمه وحياته وقد "استراح" كما يقول حين يُسأل عما يفعل. والبعض الآخر يبحث في القصص الحزينة عن عزاء له في أحزانه الخاصة، بطريقة "من يرى بلوى غيره تهون عليه بلواه".

وبشكل عام، نستطيع أن نقول إن ذلك "السعي الجدي" من المصري لأن يعيش بعض لحظات الحزن "الصناعي" ربما يرجع لرغبة -تكونت في وجدانه الجمعي- أن يحصل على "حصانة" ضد توابع الأحزان والمحن المفاجئة، وهذا من خلال تلقيه "جرعات" من الحزن على طريقة راسبوتين الذي أعطى نفسه حصانة من السُم بتناول جرعات منه يوميًا!

خلاصة الحديث في شِق "الحزن والبكاء" برمته أن المصري ينطبق عليه أحيانًا الوصف بأنه "يريد جنازة يشبع فيها لطمًا".. وبصراحة أنا أرى أنه من الصحي نفسيًا أن يفعل هذا من حين لآخر لو أن في ذلك زيادة لقوته في مواجهة محنه القاسية وتحدياته الحياتية الكبيرة. أما عن توقعه الدائم للشر فهو في رأيي مناسب جدًا لزمن أصبحت البارانويا فيه فضيلة في بعض الأحيان!


فلنقلب العُملة وننظر لوجهها الآخر وهو قدرة المصري الكبيرة على انتزاع أعلى الضحكات من أعتى المآسي. يريحني التفسير المباشر لذلك بأن "شر البلية ما يضحِك" بما في ذلك من اقتناع تام بأن مجتمعنا قد بلغ -منذ زمن طويل- مرحلة "شر البلية" أو ربما تجاوزها كما يتضح من غزارة الإنتاج الأدبي والفني الساخر من مصائب وكوارث المجتمع المتصاعدة كمًا وكيفًا!

أما لو حاولنا البحث عن تفسير للتفسير، بمعنى أن نبحث عن سر كون "شر البلية" يُضحِك فهذا ببساطة لأن من يعيش "شر البلية" أمامه أمر من اثنين بخلاف الانتحار الذي هو كفر برحمة الله: إما أن يُجَنّ أو أن يضحك ويتعامل بالمثل الفرنسي: "إن لم تستطع مقاومة الاغتصاب فاستمتع به!" ويحاول أن يخرج بفائدة بسيطة ولو معنوية من مآزقه المتتالية التي حولت حياة المواطن المصري المتوسط إلى "مأزق واحد كبير" فهو يضحك على مظلمته وعلى من ظلمه وعلى نفسه ويحول كل ذلك لنكتة كبيرة، يسبّ ويلعن ظالمه ويضحك عليه في نفس الوقت في مزيج غريب ربما لا تجده سوى لدينا، ونلاحظ أن هذا النوع من الضحك مرتبط غالبًا -إن لم يكن دائمًا- بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم والتغيرات المادية والاجتماعية الناتجة عن ذلك. وهذا الأمر بالذات قديم قِدَم مصر ذاتها، فمنذ عصر الفراعنة وُجِدَت الرسوم الساخرة من علية القوم بأيدي صغارهم، وتاريخنا الثقافي ثري بالسخرية من الأحداث والحكام والمجتمع من شعراء العصرين المملوكي والعثماني، الذين سلّطوا ألسنتهم على الولاة والسلاطين، وفي العصر الحديث أساطين السخرية من الفساد والطغيان كرائد الصحافة المصرية يعقوب صنوع والشاعر المشاغب أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام، انتهاءً بالأدباء الشباب ممن سخروا من بلايانا كأحمد خالد توفيق وبلال فضل وأسامة غريب وغيرهم.. الخلاصة أن المصري أبَى أن يجعل من حزنه قبرًا لضحكاته، فحوّله لمصدر من مصادر الضحك المسروق كأنما يقول لمحنه: "بالعنِد فيكِ سأضحك"، وربما هذا ما يجعل للنكتة المصرية عمقًا كبيرًا وبُعدًا إنسانيًا تستحق به أن تكون موضع الدراسات الأدبية والاجتماعية الأكاديمية المحترمة، فهي ليست مجرد "مزحة حول واقع أليم" بقدر ما هي تعبير عن موقف جماعي شعبي تكوّن عبر الزمن في ضمير المصريين فاستحق أن ينضم لمكونات الثقافة المصرية الأصيلة..

كما أن وجود عقيدة "الثواب والعقاب" في الديانات التي تتابعت على المصريين، جعلت لديهم ذلك الشِق القدري من التفكير فيكون لديهم إيمان حقيقي بقول الشاعر أحمد بن عروس: "لا بد من يوم معلوم.. تترد فيه المظالم.. أبيض على كل مظلوم.. وأسود على كل ظالم".. فكأنهم يضحكون من جهل الظالم بعاقبة ظلمه ومما ينتظرهم من فرحة إنصاف الله لهم يومًا ما، تلك الثقة التي يستمدونها من المضامين الدينية وقصص العِبَر القديمة.. هذا فضلاً عما سلف ذكره من طبيعتهم كشعب نيلي استمد جزءً كبيرًا من عقيدته الحياتية من تقلبات نيله العتيد فأدرك حقيقة "التغير" كأحد أهم مكونات طبيعة الحياة.

المؤلم أن الضحك على الأحزان كلما علا صوته، كان ذلك دليلاً على عمق مصدره -الجرح- واتساعه، مما يجعلنا ندرك أن نكتة المصري تُضحِكك حين تسمعها وتبكيك حين تفهمها.

حسنًا.. وماذا بعد؟ أطرح على نفسي السؤال قبل أن يطرحه عليّ القارئ: "تحدثتَ عن الضحك والبكاء والمصريين والهموم وتذوق الحزن.... إلخ إلخ وماذا بعد ما قيل؟"

لا شيء.. فقط هي مجرد محاولة للتفكير والتأمل في ظاهرة هامة تستحق النظر، وهي أعمق وأوسع من أن أضع لها في بعض السطور "خلاصة" أو "نتيجة" أو "تحليل".. وبهذا فأنا أرى -وأرجو أن يتفق معي القارئ- أني قد قمتُ بما عليّ، ويكفيني أن أكون قد استفززت أذهانكم لتتأملوا معي.. يكفيني تمامًا!

vendredi 12 novembre 2010

الــوِلــد الــسَــو!

"الوِلد السَوّ يجيب لأهله اللعنة!"
كثيرًا ما سمعت هذا المثل الصعيدي من أمي التي تنتمي لقبيلة الجعافرة القرشية.لم أحتر كثيرًا في فهمه لسهولة معناه ومباشرته.فمن الطبيعي أن وِلد السَو"الولد السيء" يجلب لأهله لعنات اللاعنين سواء كانت موجهة لشخصه أو لمن ربوه!نعم..لم يتأخر فهمي للمثل لكن تأخر كثيرًا وقوعي على تجسيد حي له..أعني الدكتور معاطي ,الأستاذ الشاب البارز بتلك الكلية النظرية السكندرية التي كانت-قبل الثورة المباركة-كلية بارزة تقتصر الدراسة فيها على "أولاد الناس"!
عندما تعرفت دكتور معاطي كنت في عامي الدراسي الثاني بالكلية سالفة الذكر وكانت أخباره قد سبقته إلينا كأحد آخر الرجال المحترمين..شابًا أنيقًا هو ,لغته العربية راقية وفرنسيته-التي درّس لنا بها-لا تقل رقيًا وإن شابتها لكنة ريفية علمتُ فيما بعد أن ورائها قصة كفاح طويلة انتقل خلالها ذلك الشاب من موقعه كشاب من آلاف شبان تلك القرية الدلتاوية المنسية إلى مقعد تدريس إحدى المواد الهامة بكليتنا بعد أن عاد من بعثة دراسية باريسية حاملاً شهادة الدكتوراة.
كان محط إعجابنا جميعًا ,سواء في علمه أو رقي أخلاقه أو في عرفانه الدائم لأستاذه العجوز الذي كان-قبل رئاسته قسم المادة-يمثل مصر في اليونيسكو ,وكان صاحب اليد الأكثر بياضًا على دكتور معاطي الذي كان بدوره ملهمًا لطموحات المئات من طلبته.كان أثره ملحوظًا في زميلنا الريفي عبدالله الذي كان يرى في أستاذنا صورة مستقبلية لنفسه.عبدالله لم يكن من أسرة بسيطة كأسرة دكتور معاطي ,لكن لهجته وشقرته وحمرة وجهه التي نقلها جندي فرنسي ما إلى إحدى جداته  خلال حملة صليبية ما وإرتباكه حين يوَجَه له حديث من شخص غريب ,كانت تملأ بطاقة هويته بالبيانات اللازمة لمعرفة أصله.
عودة لدكتور معاطي..وعلاقته بالمثل المعلق أعلى الصفحة بعلامة إستفهام تسأل عن الصلة بينهما.. كان رئيس القسم-البروفيسور العجوز الراقي-قد توفي..وإنتقل دكتور معاطي لمقعد أستاذه كأصغر رئيس لقسم بكليتنا منذ عقود.وكأن زرًا إنضغط بداخله فحوله لشيء آخر مختلف عن ذلك الأستاذ الشاب الذي كسب حبنا واحترامنا.هل تذكرون ما قلته عنه-عدة أسطر أعلى-وعن محاسنه؟حسنًا..يمكنكم-على ضمانتي-أن تلقوه في أقرب سلة قمامة!
فمعاطي الجديد انضم لتلك الفئة من الأساتذة الذين يعتبرون أن مهمتهم في الحياة هي تطهيق وتطفيش ومعاقبة الطالب على جريمة إختياره الدراسة في كليتنا!تصرفات مؤذية غير مبررة من نوعية التنبيه على الملغي من المنهج وعدم إستذكاره ثم تَعَمُد أن يكون 80% على الأقل من أسئلة الإمتحان عن ما تم إلغاءه!تطاولاً بالألفاظ على الطلبة وتعمدًا لإحراج الشباب منهم أمام الفتيات بتلذذ سادي عجيب..فضلا عن تَكَبُر وتعامل مع الآخرين بحال لسانه يقول"أيها الخائبون الأغبياء أنا شخص رائع ولم تلدني ولادة ولو أنفقتم أعماركم مضاعفة في محاولة بلوغ عُشر ما بلغته لعجزتم ولهذا عليكم أن تشكروا تواضعي ووجودي بينكم وأن تسبحوا بحمدي آناء الليل وأطراف النهار!"بمعنى أدق..حوّل دكتور معاطي نفسه إلى-أستغفر الله العظيم-مشروع إله مختصر ينبغي على الجميع نيل رضاه وإلا فهو الرسوب وبئس المصير!ومن السخرية أنه بدأ يُصدِر عبارات إزدراء للطلبة من نوعية"دي كانت زمان كلية ولاد الناس ودلوقتي بقت كلية ولاد ال(...)"أو"الحق مش عليكم الحق على مجانية التعليم اللي لولاها كان نصكم ملقح ورا الجاموسة يا عرة طلاب الجامعة" إلى آخر هذه العبارات التي لا أدري كيف واتته الجرأة على مجرد التفوه بها من نفس المكان الذي تحدث منه أستاذه الراحل الذي لم يسلم من رشقات ألفاظ تلميذه النذل الذي لم يكد يمر أسبوع على وفاة أستاذه حتى كان يسخر منه بوقاحة من على مقعده أمام الطلاب.بإختصار..تحول الرجل-مع الإعتذار للرجال-إلى شيء بغيض مقزز مثير للغثيان..ولأن أشد البغض ما يجيء بعد محبة فقد كانت مشاعرنا السوداء نحوه ,من كراهية وإشمئزاز وما إلى ذلك ,أكبر من التخيل.
أكثرنا صدمة كان عبدالله الذي رأى مثله الأعلى ينشق عن قطعة من القذارة الحية.كنت كلما سمعته يتحدث في مرارة عن صدمته في أستاذه ,أشعر أنه يحمل إحساسًا بالعار أن هذا الشخص المعتل أخلاقيًا ريفي مثله..كان عبدالله أقلنا إنتقادًا لمعاطي لكنه كأن أعمقنا ألمًا كلما سمع منا مكنونات صدورنا نحو ذلك الوغد كأنما نتحدث عن عاره الخاص!لم نستطع بعقولنا-آنذاك-أن نفهم مشاعر صديقنا ,لكن وقع بعد ذلك ما جعلنا ندرك ,ولو بعد حين..
فخلال إحدى محاضراته ,تعطف الدكتور المذكور وسمح لنا بمناقشته ,بشكل ظاهره الإهتمام بآرائنا وباطنه إصطياد الفرص لتسفيه تلك الآراء وإشعارنا بمزيد من الدونية-لاحظوا أني أتحدث عن شخص مريض النفس والروح-بالطبع لم يجروء أحدنا على الوقوف للحديث معه ,خاصة أن موعد الإمتحانات كان قد اقترب وكان كل منا في غنى عن سَحب الكارنيه أو إستقصاد في التصحيح بسبب عبارة طائشة لا ترضي معاطي رضي الله عنه!وبين صمت تام يتخلله وقوف بعض كذابي الزفة للإشادة ببعض آراء الدكتور التي قرأوها في كتابه ,فوجئنا بذراع نحيل يرتفع ,ذراع يحمل جلده حُمرة وزغبه الخفيف شقرة نقلهما جندي فرنسي ما في حملة صليبية ما إلى صاحبها..عبدالله!صديقنا الهاديء الذي يغرق في شبر ماء لو تحدث إليه أحد!
أشار سيد الأوليمب المتربع من عرشه لعبده المسكين الذي قام وبدأ الحديث..وهنا أيقننا أن عبدالله قد ضاع عليه الإمتحان القادم وربما التيرم كله ,فقد جروء-يا للصفاقة-وناقش أستاذنا العلامة الفذ في نقطة ما مظهرًا إختلافًا في الرأي عنه ,والكارثة أنه جروء وقدم الأدلة المقبولة عقلا على خطأ الدكتور الذي ارتسم على وجهه غضب شديد حتى توقعت أن يقوم ويصيح مشيرًا للفتى"حرّقوه وأنصروا آلهتكم!" لكنه تراجع في مقعده ورسم ببراعة علامات التفهم الأبوي لطيش الشباب وسأل فتانا بسخرية:"انت لهجتك مش إسكندراني..انت منين يالا؟" أجاب عبدالله بهدوء:"دمنهور ..قرية (....)" فأطلق ضحكته البغيضة وقال:"فلاح يعني..قل لي يالا..إنتو لسة ف بلدكو بتسرقوا الحمير وتدهنونها عشان تبيعوها تاني؟" إنطلقت ضحكات-عديمة الدم-من البعض قطعها صوت عبدالله الهاديء حاملا قنبلته:"آه..أبوك خِلِص ..ابقى تعالى خده!"
أعتقد أني لستُ في حاجة لقول أن عبدالله فُصِل من الكلية ليكون عبرة تاركًا خلفه جدلاً حول ما إذا كان شابًا"سيء الأدب"لا يصح ما فعل ولو أخطأ الدكتور في حقه وحق أهله أجمعين ,أو رجلا شجاعًا تصدى للدكتور/الطاغية الذي يسيء بتصرفاته لكل أستاذ جامعي محترم يراعي الله في طلبته!كلنا إختلفنا ومنا من تذبذب بين هذا الرأي وذاك..لكننا إتفقنا في الشماتة في معاطي الذي كسرت الواقعة رهبته في قلوبنا وكشفته ككيان فارغ يسهل الرد عليه وعلى ظلمه..واتفقنا جميعًا ,أصدقائي وأنا ,في مدى إنطباق المثل"الوِلد السَوّ يجيب لأهله اللعنة"على معاطي وأمثاله!

lundi 1 novembre 2010

(...) قبل ما نبقى ولاد

قبل ما نبقى ولاد(.....)!!

أنا ابن ناس!

وعايز أفضل ابن ناس ,محترم ,متربي ,الناس يشوفوني يحترموني ويقولوا جملتهم الشهيرة"ولاد الناس برضه".

حقي ,وحق كل ابن ناس.على فكرة ,ابن الناس-حسب المفهوم السليم ,مش صفة مقتصرة على ابن البيه والباشا ,ولا ابن الحسب والنسب ,ابن الناس بيستحق لقبه بنفسه ,شيء مُستَحَق مش موروث على عكس ما ناس كتير فاهمة.يعني أنا مثلاً شاب خريج مدارس أجنبية وأهلي ناس مثقفين راقيين مابخلوش بجهد أو مال عشان يطلعوني زيهم ,بس عارف إن في نفس الوقت في واحد ابن ناس بسطاء على قدهم ممكن يكون ماكملش تعليمه ,لكنه ابن ناس ,أيوة ,بس مفرداته مختلفة شوية عن مفرداتي ,يعني زي ما أنا بقول صباح الخير وآسف وmerciهو بيقول العواف ولامؤاخذة وتُشكَر يا ذوق ,مش بقول لكم اختلاف مفردات لا أكثر؟وبعدين تعالوا نتكلم بصراحة ,ما دلوقتي كل الشباب-أو معظمهم-بيستخدموا ساعات مفردات أقل من المعتاد من اللي في مستواهم الاجتماعي والثقافي ,خاصة فيما يتعلق بالكلام البذيء!صح ولا غلط؟يعني الحكاية مش مناظر بس.

طالما بقى اتفقنا ع النقطة دي ,تعالوا نرجع لموضوعنا ,هو عبارة عن سؤال كبير:أنا ابن ناس ,طيب ازاي أفضل كدة علطول؟وعلى فكرة دي حاجة صعبة جدًا في الزمان دة..تعالوا نشوف ليه...

-الشاب ال"لوسي":-

فاكرين فيلم"إشاعة حب"؟المشهد اللي كان فيه الشاب النَيّ اللي اسمه"لوسي"لما كان يوسف وهبي الله يرحمه بيقول:"بقى يا ربي..دة..محسوب علينا راجل؟".ماحدش اختلف إن لوسي مش راجل ,لا شكل ولا وقفة ولا صوت ولا حركات راجل..يعني في مقاييس واضحة هنا للحكم على شاب إنه"لوسي"..حلو..ليه بقى دلوقتي بقى مجرد إبداء الشاب أي تصرف ذوق أو شيك علطول تلاقي ناس تتهمه إنه لوسي؟لو فتح باب محل أو عربية لبنت أو ست أو قام لها في باص أو ترام ,لو اعتذر لراجل خبطه في كتفه وهو ماشي ع الرصيف ,لو قال كلمة إنجليزي أو فرنساوي بحكم نوع دراسته ,يا جماعة أقسم بالله في ناس بيبصوا لي كأني لابس فستان وحاطط ماكياج كامل لمجرد إني بدور على سلة مهملات أرمي فيها منديل أو ورقة مش عايز أرميها في الأرض ,ما بالكم بقى لما بقف على جنب لو بنت عدت في ممر ضيق وبسيبها تعدي قدامي أو لو في البرد الشديد لابس جوانتي وقلعته عشان أسلم على حد عشان عيب أسلم بالجوانتي ,ماقولكوش ,بجد بشك في نفسي من البصة اللي البعض بيبصهالي..شوفوا بقى كام شاب بيتعرض للنظرة المتخلفة دي لمجرد حفاظه على حد أدنى من قواعد الذوق...وشوفوا كام شاب منهم حيبدأ يتخلى عن ذوقه واحدة واحدة عشان يرضي الذوق المتخلف للبعض لحد ما يخلص على ذوقه ويدخل على أدبه ويتخلى عنه هو كمان عشان ماحدش يتهمه بالخنوثة , لحد ما يبقى بلا ذوق ولا أدب ويبقى ولاد الناس خسروا واحد منهم.

-المركوب!:-

رُكِب يُركَب فهو مركوب!دة للأسف بقى شيء بيهدد الشاب المحترم ابن الناس لمجرد إنه كذلك.لمجرد إنه مهذب تلاقي ألف من يفترض إنه"ركوبة عامة"زي ما مكتوب على تاكسيات بعض الدول الشقيقة."زبون"زي ما بيقولوا بلغتهم للتعبير عن الشخص اللي سهل تجور على أبسط حقوقه.طيب هو معنى إن الشاب مننا محترم في تعامله إنه ضعيف ومش بيعرف يحافظ على حقه وكرامته؟أصل دة اللي بشوفه بيحصل في حالات كتير لما شاب محترم يدخل مكان مختلط زي الكلية أو المدرسة ويكون مضطر يحتك بنوعيات مختلفة من الناس فيه ,أو ساعات لما يدخل محل وساعات أكتر وأكتر لما يركب تاكسي ,بالذات التاكسي ,لو ركبت بأدب تحس إن السواق بيبص لك على إنك فريسة ولو اتعوجت عليه يحترمك ويبقى حيضرب لك تعظيم سلام.بلاش التاكسي ,تعالوا نبص على المصالح الحكومية ,أبسط نموذج:شئون الطلبة في الجامعة ,أظن دة مكان معظمنا كشباب تعامل معاه..حاول تفتكر معايا كام مرة رحت شئون الطلبة واتعاملت وحش لمجرد إنك دخلت بأدب واضطريت يا إما تسكت ع الإهانة يا إما تقل أدبك عشان تخلص مصلحة بسيطة من أبسط حقوقك؟طيب أمال فين احترام البني آدم فقط لأنه محترم؟فين تقدير اللي بتعامل معاه لكوني احترمته من البداية؟

في ناس لسان حالها بيقول:"أنت شاب محترم!كيف تجروء؟دة إحنا حنهزقك ونهين كرامتك ونخليك فرجة ويمكن كمان نمد إيدينا عليك ونقَلِب جيوبك وابقى خلي الاحترام ينفعك!"

أنا مش ببال ,والله بجد أعرف ناس اتعرضوا لأسوأ أنواع الإهانة فقط لأنهم ولاد ناس ,صوتهم هادي وكلامهم محترم وتصرفاتهم شيك ,وإهانات من كل نوع ,من أول تعامل اللي قدامك معاك بإحتقار لحد التعرض للسرقة بالإكراه.أيوة بجد ,أعرف واحد اتثبت في تاكسي الساعة 12 الظهر فقط لأن شكله ابن ناس وشيك وشايل كتب ..طيب لو كان راكب من منطقة ما يعلم بيها إلا ربنا وواخد 6 غرز في وشه-ختم الصياعة الأبدية على رأي اللمبي-وبيتكلم بسرعة7868 شتيمة في الدقيقة كان السواق جروء يعمل معاه حاجة؟أشك!

بلاش دي..مثال تاني ..أنا-من كام سنة-واحد صاحبي عرفني على ناس صحابه ماكنتش مرتاح لهم أوي لأني حسيتهم سوقيين شوية ,واحد منهم افتكر إن أدبي معاهم ضعف شخصية وحاول يهزر معايا بسفالة من باب إني"شاب-عفوًا لسوقية التعبير-(هلهولة)من اللي بنتسلى عليهم"حسب منطقه المختل.بمنتهى الهدوء رديت عليه:"اسمع يا فلان..أنا صحيح زي ما انت شايف راجل محترم ومثقف وخريج مدارس فرنساوي وبتعامل مع الناس بأدب ولكن لو دة خلاك تفتكر إنك ممكن تتعامل معايا بالشكل دة ف...............!!"أعتذر عن ذكر باقي العبارة لأنها لا تصلح للكتابة لكن يكفي إني أقول إن وشه جاب ألوان وفضل حاططه في الأرض لحد ما قمت!على فكرة..أنا مش مبسوط باللي حصل ..لكنها كانت الضرورة..

وكالعادة..بتفتكر النصيحة اللي ياما سمعتها من صحابك"المُجَربين":"ماتدخلش بأدب..ادخل بعوجان أحسن الناس تركبك"وساعتها بقى يا حلو..يا تفضي احترامك في أقرب دورة مياه عمومية يا تفضل محترم بس تستحمل الغلط فيك.

-يا نهار اسود!إحنا بننقرض!هو في إيه؟:-

قبل أي حاجة..أنا مش بقول إن كلامي دة بيحصل مع 100%من ولاد الناس مع 100%من اللي بيتعاملوا معاهم ,بس بقول إنه بقى ظاهرة..وأبسط دليل هو إني واثق إن نسبة لا بأس بها من اللي بيقروا الكلام دة دلوقتي بيقولوا"طيب ما احنا عارفين..إيه الجديد اللي قلته؟"ودة في حد ذاته كارثة لما يبقى اللي بتكلم عليه فوق دة حاجة معتادة يوميًا!

ايه اللي حصل؟ابن الناس زمان كانت له هيبته فقط لأنه ابن ناس ,كان الواحد يخاف يغلط فيك أحسن تكسفه بأدبك ودة كان كفيل بإن منظره يبقى وحش جدًا..صحيح لحد دلوقتي دة موجود بس في نطاق ضيق أوي شبه منقرض.بصوا..بصراحة البحث في الأسباب أمره يطول ومش عايز دردشة شباب كدة ,دة عايز تحليل علمي من أساتذة علم الاجتماع ,لأنه جزء من التحول الأخلاقي اللي أصاب مجتمعنا كله في الحاجة وخمسين سنة الأخيرة لما ابن الناس فقد هيبته وبقى بيتشد من بيته في نص الليل ويعتقل وتضرب ويتهان من عسكري أمي جت له فرصة يطلع عقد نقصه فيه ,فقط لأن ابن الناس قال كلمة حق اتعود يقولها أيام ما كان الناس بيحترموا كلامه.ابن الناس اتشال من مكانه واتحط في أسفل سافلين لما التلفزيون والسينما بقوا بيقدموه في صورة نمطية ساذجة لشاب سلبي معقد متعقر قافل زرار قميصه اللي فوق ومنعزل عن العالم ومتقوقع وسط كتبه وأحلامه ,ابن الناس ,اتبهدل لما قرر إن طموحه يكون أستاذ جامعي واتفاجيء إن مرتبه في شهر ما يجيش عُشر النقطة اللي بتلمها رقاصة درجة تالتة في ليلة في شارع الهرم ,دة لو قضتها رقص وبس!

حاجات كتير أوي هزت مكانة ابن الناس ,وغيرت معني التعبير نفسه..بس عارفين مين أكتر واحد أهان ابن الناس؟هو نفسه!

أيوة..ما هو هو اللي سكت لحد ما بقى نوع معرض للانقراض!عايزين مثال؟طيب..كام مرة بتشوف ابن ناس محترم بيتهان وبيسكت بحجة إنه"عايز يكون الأحسن"؟بيحصل إنه يتجار على حقه ويسكت ويقول"يا بخت من بات مظلوم ولا باتش ظالم"ولا لأ؟مع إن الفضيلة دايمًا بتقع بين رذيلتين..والمبالغة في بلع الإهانة مالهاش أدنى علاقة بأن الواحد يبقى محترم ولا لأ.

ثم إنك لما بتسكت على إهانة واحد مش محترم لك مش بتسيء لنفسك بس ,انت بتسيء لكل واحد محترم الشخص دة حيهينه بعد كدة ,لأنه لو كان لقى اللي يوقفه عند حده-يلمه زي ما بيتقال-ماكانش اعتبر الاحترام مبرر لتصرفاته!

أنا هنا مش بقول إن الواحد يتخلى عن أخلاقه وأدبه وذوقه وينزل لمستوى الناس التانيين ,أنا بقول"لكل مقام مقال"وإحنا-للأسف-مابقيناش في زمن الشخص غير المحترم فيه ممكن يقف عند حده فقط بإنك تكسفه بأدبك ,دلوقتي لازم اللي يقول لك"بِم"تقول له"عليك وعلى دماغك وتتم"(زي ما واحد من مدرسيني كان بيقول لي زمان)

لما تعامل ولاد ال(....)بنفس طريقة معاملة ولاد الناس تبقى بتهين الاحترام بوضعه في غير موضعه وبتشجع كل ابن(....)على غيه وحماقته!تبقى القاعدة واضحة:مع ابن الناس خليك محترم وابن ناس زيه ,مش بس عشانه ,لأ عشانك انت كمان ,إنما مع واحد مش ابن ناس ,خليك ابن ستين(.....)ووريه إن اللغة اللي بيتكلمها يقدر يتكلمها اتنين..وإن احترامك مش معناه إنك"لوسي"أو"مركوب"أو"زبون"..فإن احترم نفسه كفى الله المؤمنين القتال ,وإن ماحترمش نفسه خلاص ,على نفسها جنت براقش..

لكن في وسط كل دة أوعى تنسى إن اللي بتعمله مجرد إجراء استثنائي فرضه الموقف ,مش سلوك متأصل في شخصيتك ,ولو لقيته-بقول لو-من النوع اللي ممكن يتكسف بالأدب ,خلاص يبقى مالهاش لازمة قلة الأدب.

على فكرة أنا عارف إن كلامي ممكن يبان عدواني أو إن البعض يفتكروني بدعو للتخلي عن القيم والثبات على المبدأ..خالص ,أنا بدعو ل"العدل"احنا لما واحد بيسرق بنحبسه ,ولما واحد بيقتل بنقتله ,يبقى لما واحد يهين طبيعي إننا نهينه ,وإلا مش حيبقى في ردع عام..

أنا فعلاً مش مبسوط وأنا بقول كدة لكن"الإحترام لازم تكون له أظافر"عشان يحافظ على نفسه ,طالما إننا-للأسف-بقينا عايشين في زمن وُصِفَ بإنه"زمن المسخ"!

بس خلونا ندعي ربنا إن دة ينفع ,وإن الاحترام يسترد مكانته ,وولاد الناس ترجع لهم هيبتهم ,لأن لو دة ماحصلش حنلاقي نفسنا كل يوم في صدام وكل يوم بنضطر نرد بالمثل على غير المحترمين ,وبعد ما كنا بنتكلم على دة كإجراء استثنائي حيتحول بالنسبة لنا لنمط حياة ونشاط يومي ,وساعتها مش حيبقى في ولاد ناس ,وحنبقى كلنا ولاد(......)!

(تم)