لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

jeudi 8 décembre 2011

عندما احتقر المصريون أنفسهم!

عندما احتقر المصريون أنفسهم!
كانت حلقة نقاش ثقافي سياسي شارك بها ممثلون عن بعض الأحزاب والقوى السياسية والثورية ,وحضرتها مع بعض الزملاء ممثلين لحزبنا"مصر الحرية" ,تبادلنا خلالها الآراء حول المعطيات السياسية الأخيرة-آنذاك فقد كان ذلك منذ بضعة أشهر-وكان ذلك وقت بدء ارتفاع الأصوات المطالبة ب"الدستور أولاً" ,في تجاهل صريح وفج لنتيجة استفتاء 19 مارس(التعديلات الدستورية) ,ذلك المطلب الذي استنكرته وزملائي في الحزب وشاركنا الاستنكار الزملاء من حزبيّ"الوسط"و"الحرية والعدالة"بدافع مطالبتنا معًا باحترام نتائج الاستفتاء والإرادة الشعبية الواضحة حتى وإن كان البعض-وأنا منهم-قد صوتوا ب"لا"للتعديلات الدستورية المذكورة.
أثار ضيقي-بل وغضبي-ترديد بعض الحضور أقوالاً مستفزة عن"الشعب المُغَيَب"و"الإرادة المعيبة لأناس فاقدي الوعي"والتي بلغ بعضها حد اتهام المصريين ب"الجهل السياسي والغفلة عن المصلحة الوطنية"(!!)فطلبتُ الكلمة وقلتُ:"مع احترامي للسادة هنا ولجميع الآراء ,فإني-رغم إدراكي أن ثمة تأثيرات مارسها بعض المنتمين للتيار الديني على إرادة بعض المصوتين ليصوتوا بالموافقة على التعديلات إلا أننا لا نملك آلية لقراءة الأفكار لمعرفة من صوّت ب"نعم"بكامل إرادته وإدراكه ووعيه ومن صوّت بها تحت تأثير هذا الشيخ أو ذاك ,ولهذا فعلينا جميعًا احترام نتيجة الاستفتاء ,ثم أننا لا نملك الحق أن ندين من خالفنا بالجهل والغفلة ,فمع احترامي لكل السادة المحترمين الحاضرين هنا ولثقافتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم إلا أن أي بائع بليلة يقف على الناصية أو مواطن غلبان بسيط التعليم يخرج يوميًا على باب الله للبحث عن رزقه ولا يفكر أن ينضم لتلك الجلسة الأنيقة ليس صوته أقل من صوت أي منا مهما بلغ تعليمنا أو بلغت ثقافتنا ,فلو سمحتم كفوا عن فرض الوصاية على المصريين أو اعتبارهم ناقصي الأهلية ,فهؤلاء أهلنا ونحن لسنا أفضل منهم في شيء فقط لأننا نحن لنقرر لهم ونتحدث عنهم بهذا الشكل!نحن جميعًا مواطنون مصريون وصوت أكثرنا علمًا يساوي في قيمته صوت أي مصري آخر أقل منه علمًا..وليس من العدل أن نطلب من هؤلاء البسطاء أن يشاركونا الخطر أمام رصاص الشرطة في الثورة ثم نقصيهم عن اتخاذ القرار بعد ذلك!"
فوجئت بتصفيق قوي من كثير من الحضور ,وبالطبع لاحظتُ نظرات الاستنكار والازدراء من البعض الآخر ممن يصنفون أنفسهم-لا أعرف على أي أساس-أنهم"النخبة"!
****
لا أعرف لماذا لا يدخر كثير من المصريون جهدًا في ممارسة احتقار مستمر لعموم المصريين ووصمهم بكل المثالب والنقائص ,كأنما نحن شعب من الجهلة المتخلفين الذين ينطبق عليهم قول عمر سليمان"المصريون غير مستعدون للديموقراطية"..كأنما لم ينقصنا ما نسبه لنا قديمًا وحديثًا بعض المؤرخين والمفكرين-ظلمًا وعدوانًا-عنا أننا شعب"يجمعه مزمار وتفرقه عصا"و"اللي يتجوز أمه يقول له يا عمي"و"إحنا كدة يا مصريين نحب نتذل وماينفعش معانا غير فرعون والكرباج"!
ألا يدرك هؤلاء القوم أنهم يسبون أنفسهم بهذا الشكل؟هل يخلو نسب أحدنا من جد فلاح أميّ"جاء من وراء الجاموسة" ,أو حرفي بسيط ضعيف الثقافة ,أو جدة لم ترى ما وراء عتبة دارها؟نحن-معشر أهل القلم والفكر-لم نهبط من كوكب آخر ولم نتكلم في المهد صبيانًا كالمسيح أو نؤتَى منطق الطير والحيوان كسليمان أو نحمل حكمة لقمان ,عليهم جميعًا الصلاة والسلام.
اعترف أن بالمجتمع المصري الكثير-والكثير جدًا-من النقائص ولكن هل يكون علاجها في تعميم الحكم على جموع المصريين أنهم مصابون بتلك النقائص بنفس الدرجة وعلى حد السواء؟هل من المنطق العلمي-أو الأخلاقي-أن تصبح سلبيات المجتمع المصري تفسيرات جاهزة لمخالفة إرادة الجماهير ما نراه نحن صوابًا؟وهب أن كلام هذه"النخبة"المزعومة صحيحًا ,هل يكون علاج تلك العيوب في ترديدها وتكرارها بشكل"ببغائي"بدلاً من أن نتعامل معها بجدية ونسعى لطردها خارج مجتمعنا كما هو واجب على أي مثقف يحترم نفسه؟
****
استحضر الموقف سالف الذكر بسبب عودة تلك النبرة القبيحة بعد فوز التيار الديني بأغلب مقاعد البرلمان في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب ,كالعادة هناك ذلك الحديث الثقيل على النفس عن"المغيبين والأميين والجهلاء الذين صوتوا للإسلاميين تحت تأثير العاطفة الدينية"..
اعترف أني مقتنع أن البعض-الكثيرين لو شئنا الدقة-قد صوتوا للتيار الديني بدافع العاطفة الدينية والميل التلقائي غير المستند على فكر ما لكل من يتحدث باسم الدين..اعترف أني مقتنع أن كثير ممن صوتوا للأحزاب الدينية قد قرروا مسبقًا أن يفعلوا ذلك من قبل حتى أن يقرأوا برامج تلك الأحزاب ويفكروا فيها ,بل من قبل أن تصدر أصلا تلك البرامج ,اعترف أخيرًا أني مقتنع أن البعض الآخر قد صوتوا لتلك القوى والأحزاب نتيجة تأثير أكياس السكر والأرز وكيلو اللحم الذي بيع بأرخص الأسعار ,ولكن هؤلاء على كثرتهم هم"بعض"الناخبين ,فليس من حقنا ولا من حق أي شخص أن يعمم الحكم على"كل"من صوتوا للإسلاميين..
أوقن أن أغلب من صوتوا للتيار الديني إنما فعلوا ذلك لأن القوى الدينية هي الأكثر تنظيمًا والأكثر تواجدًا في الشارع واحتكاكًا بالمواطن المصري البسيط ,هل يستطيع أحدنا أن يدعي أن هناك جهة أكثر تنظيمًا من جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة؟هل هناك من هو أكثر نزولاً للشارع وتعاملاً مع الناس في أعمق المناطق فقرًا وعشوائية أكثر من جماعة الدعوة السلفية وحزب النور؟صحيح أني مختلف أشد وأعمق الاختلاف مع الإخوان ومع كثير من السلفيين ,ولكن الحق يقال:هؤلاء القوم منظمون جدًا ويجيدون عملهم حقًا ,واختلافي معهم فكريًا وكذلك اختلافي معهم في الأساليب والطرق التي يتبعونها لا يجعلني أنقص من احترامي شدة تنظيمهم وسرعة عملهم..
الشارع لا يريد من يتحذلق عليه..يريد من يهبط ويدوس في وحل الطرقات الغارقة في مياه الصرف ويجلس مع الناس على الرصيف المكسر ولا يتأفف من روائح مقالب القمامة وملمح الجدار العطن لبيت متهالك آيل للسقوط!
السلفيون والإخوان نزلوا للشارع فهلا فعلتم هذا ثم لمتم الناس على التصويت للتيار الديني؟
***
صحيح أننا مجتمع نعاني انتشار الأمية ,ولكن لماذا نغفل عن واقع تاريخي أن الأمية كانت منتشرة بشكل أكبر عندما قام الشعب كله-بجاهله ومتعلمه-لمقاومة الحملة الفرنسية ومحاربة الاستعمار البريطاني؟أغلب التوكيلات التي جُمِعَت لسعد باشا زغلول ليتحدث باسم مصر أمام العالم ويطالب للوطن بالحرية كانت من أميين..فهل فعل المصريون هذا لأنهم أميون جهلة مغيبون؟هل كان عدم تسجيل أقسام الشرطة بمصر جريمة واحدة خلال أيام حرب أكتوبر 1973 نتيجة جهل وغفلة وضلال هذا الشعب؟هل كانت السيدة العجوز البسيطة جدًا التي سارت أمامي في المظاهرة يوم 25 يناير2011 تحمل الدكتوراة لكي تحمسنا وتشحذ هممنا وترفع رأسها بالدعاء لنا وتلومنا إذا ضعفت أصوات هتافاتنا أو أدركنا التعب من طول السير في الطرقات ونحن نهتف"يا أهالينا انضموا لينا"؟هل صوتوا ضد أحد رموز الدعوة السلفية منذ أيام قليلة وجعلوه يخسر الانتخابات رفضًا منهم لتعصبه وآراءه الشاذة ,وصوتوا كذلك ضد أحد فلول الحزب الوطني المنحل وأخرجوه من السباق الانتخابي لأنهم جهلاء لا يفقهون قولاً؟
هؤلاء الذين تتهمونهم بالجهل وتحقرونهم يوميًا هم"أهالينا"الذين"انضموا لينا"!
ثم لو أن العبرة بالشهادات والألقاب الأنيقة البراقة ,لماذا عانت بلادنا التأخر والتدهور والفساد طوال عقود حكمتنا فيها وزارات يحمل أغلب وزراءها ورؤساءها ألقاب الدكتوراة ويتكلم كل منهم أكثر من لغة؟!
***
ثمة قول منسوب للسيد المسيح عليه الصلاة والسلام يلوم من ينظر للشوكة الصغيرة في عين أخيه باستنكار بينما يتجاهل خشبة كاملة تخترق عينه..وثمة مثل شعبي يصف من يسب أهله وينتقص منهم أنه كمن يبصق على نفسه..وثمة موقف للصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه وأرضاه-في إحدى الغزوات حين سعى لمطاردة أخيه-وكان أخيه في جيش الكفار-راغبًا في قتله  ,فصاح به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم"يا سعد أتريد قتل نفسك؟"..وموقف آخر لنفس الصحابي العظيم حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر"يا رسول الله أتعطي الضعيف من الغنيمة كما تعطي القوي"فقال له الرسول الكريم-صلوات الله وسلامه عليه-"ثكلتك أمك ,وهل تُنصَرون إلا بضعفائكم؟"
هؤلاء البسطاء هم ضعفائنا علمًا-أقر بهذا-ولكن علاج ذلك لا يكون في احتقارهم وتهميشهم والاستعلاء عليهم ,وإلا فأية ازدواجية نحن فيها إن كنا قد هتفنا ضد طغاة المال وطغاة السلاح ونحن نحول أنفسنا إلى طغاة باسم العلم والثقافة!

تواضعوا للمصريين واحترموهم يرحمكم وإياهم الله!
(تم)