لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

jeudi 22 novembre 2012

لهذا أخرج اليوم 23 نوفمبر على مُرسي!

أمس الأول انتخبت محمد مرسي رئيسًا لمصر في الإعادة بينه وبين شفيق، ولستُ نادمًا على هذا القرار.. بالأمس القريب احتفلتُ مع الإخوان في ميدان التحرير بفوز مرسي على شفيق ورآني من كانوا معي أبكي وأضحك في آنٍ واحد.. لستُ نادمًا أيضًا على هذا.. واليوم أخرج ضد مرسي إذ طغى وبغى وأحسبني بإذن الله لن أندم كذلك.. 

لم انتخب مرسي وأنا أقول "عشان أعرف أعارضه" فقد كنتُ أعلم أن فصيل الإخوان المسلمين سيأتيه يوم يقمع الحريات ويتجبر ويستبد.. ولكني كنتُ أفضل أن أمنح بلدي هدنة من نزيف الدم الذي سفكه مبارك ثم عسكره ثم هدد به شفيق.. والآن وقد نزف الدم الزكي مرة أخرى ولاح في الأفق نزيف أشد فحي على الجهاد..

المُتابع لكتاباتي وتعليقاتي يلاحظ أني أحقق التوازن بين شديد سخطي على جماعة الإخوان المسلمين لإسائاتهم المتكررة للثورة وبين الأمانة في التعليق والتحليل، فكنتُ أدافع عنهم إذا ظُلِموا وكنتُ أرد عنهم التهمة إذا كانت بغير بيّنة قاطعة، وعندما خرج بعض الفلول متشحين برداء الثورة يوم 24 من أغسطس وتناثرت تهديدات ضد مقار الإخوان وأشخاصهم رفضتُ هذا بعنف وخرجتُ بنفسي مع بعض زملائي ممن يشاركونني بغض جماعة الإخوان وجلسنا أسفل مقرهم في منطقة القائد إبراهيم للمشاركة في حمايته من أي تهديد، متحملاً في سبيل ما أومن به سخرية واستهزاء ولوم كثيرًا من زملائي من الساخطون على الإخوان.. وأنا لم ولن أندم على هذا الموقف..

كنتُ-وما زلتُ-شديد القسوة في نقدي مرسي إذا أخطأ وشديد الشراسة في الدفاع عنه إذا ظُلِم ومشيدًا به إذا أصاب.. وكنتُ حتى وقت قريب أقول عنه "أنا أثق بهذا الرجل وحسن نواياه ولكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر حزمًا" طلبتُ الحزم لا الاستبداد إذن..


واليوم أخرج ضده وضد نظامه وجماعته إذ أراه ينحدر إلى درك تعلمتُ من تمعني في قراءة تواريخ الأمم والدول والحكام أنه هاوية ساحقة مشتعلة بالنيران يجر إليها المرء نفسه وقومه إذا فعل ما فعل مرسي..

فأولاً طفح الكيل منه إذ يتلكأ في تطهير داخلية مبارك المجرمة-التي عانى هو وجماعته أنفسهم منها-وثانيًا سئمتُ تراخيه في تطهير أجهزة الدولة، وثالثًا انفجرت منه غضبًا بسبب مسئوليته عمّا يحدث في شارع محمد محمود ومحيط وزارة الداخلية إذ لا يتدخل-بغض النظر عمّن بدأ ومن أخطأ-لوقف الدم هناك..

وأخيرًا جاء قراره تحصين قراراته من الطعن ليجعلني أقرر الخروج عليه..

ولأكون واضحًا: فإني موافق بشدة على قراراته بشأن عزل النائب العام الفاسد المفسد وبشأن إعادة محاكمة قتلة الثوار والتحقيق في الجرائم ضدهم وتخصيص محكمة خاصة بذلك، ولكني ضد قراره تحصين قراراته وكذلك انفراده بتحديد "حالة الخطر على الثورة" 

يقول البعض "هو يحصن قراراته ليضمن عدم الطعن على قراريّ النائب العام والمحاكمات" وهذا قول مردود عليه. ألم يكن من الممكن أن يخصص-بالتشاور مع الأمناء والشرفاء حقًا ممن دعموه من أهل التيارات المختلفة-محكمة خاصة من الشرفاء من رجال القضاء لتكون رقيبًا قضائيًا على أية قرارات له طالما أنه-وأنا اتفق معه في هذا-لا يثق بقضاء مبارك الذي يسيطر عليه الفلول؟

يقول البعض كذلك "وهل سيتركه الشعب إذا ما أساء استغلال تلك السلطة؟" وهذا أيضًا مردودٌ عليه بأن سيطرة فرد واحد أو فصيل واحد على جميع مفاصل الوطن يمكنها أن تقتل ثورة الشعب في مهدها وأن تفرقه وتشرذمه وتحكم بطريقة فرّق تسد..

يقول البعض الآخر "هي فترة مؤقتة والرجل نواياه طيبة والشرعية الثورية تتطلب هذا" عفوًا.. ولكن مجمل الثوار لا يرون في الإخوان فصيلاً ثوريًا.. ليس بعد تصريحات قياداتهم ضد إخواننا وهم يموتون برصاص العسكر في محمد محمود الأولى ومجلس الوزراء.. ثم أن النية لا تكفي ..

انظروا قول الله تعالى "ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها".. أي أن كل منا فيه الفاجر والتقي.. والسلطة المطلقة مفسدة ومحراك للشيطان والنفس الأمارة بالسوء.. وقد تعلمتُ من التاريخ أن من يمتلك سلطة كتلك التي منحها مرسي لنفسه عادة ما يتحول خلال وقت قصير إلى طاغية يتوسع في مبدأ "ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب" فيقمع ويكمم ويستبد ويقهر وهو يحسب أنه يُحسِن عملاً.. لن أقول أن مرسي سيقمع معارضيه باسم "حماية الثورة" وهو يجلس على عرش من الجماجم ويطلق الضحكات الشريرة ولكنه قد يفعلها وهو يحسب أنه يخدم الوطن ويفعل ما يرضي الله.. فلماذا نتركه يرتكب فينا وفي نفسه هذا الجرم؟



يقولون "ولماذا تسبقون الأحداث بافتراض السوء؟" ويحكم وهل أضاع من قبلنا إلا أنهم لم يتحسبوا ولم يحذروا؟ إن سلطة كتلك التي اليوم في يد مرسي هي لعنة وباب واسع من أبواب الشيطان وهي مفسدة للحاكم والمحكوم ومضيعة للأمة وعدد من نجوا منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة إذا بلغوا حتى هذا العدد.. فلماذا نقامر بالوطن وبأنفسنا؟

ثم-بحق الله-كيف أثق في نوايا رجل يمنح نفسه سلطة مطلقة وفي ذات الوقت لا يمد إصبعًا واحدًا نحو فسدة الداخلية بل ويعين أحد عتاة الفساد والقمع وزيرًا لداخليته؟

لهذا أخرج اليوم ضد مرسي.. ليس حسدًا له على سلطة.. ولا طمعًا فيها.. بل لو كان أي إنسان آخر في مكانه وفعل ما فعل لخرجت ضده.. فأنا أخرج ضد المبدأ الفاسد ضد متبعه.. ودائمًا أقول أن "النظام" ليس مجرد أشخاص ومؤسسات بل هو قيم فاسدة وأفكار عفنة وممارسات مؤذية أشبه بجينات السرطان لا تعرف متى تنشط وتتوحش.. 


اللهم إنك تعلم أني ما أخرج إلا طلبًا للحق وغضبًا على الباطل وخوفًا على وطني وثورة شعبي.. اللهم إنك تعلم ما في نفسي وتعلم أني على عهدك ووعدك ما استطعت وأني أدعوك ألاّ تكلني لنفسي طرفة عين.. اللهم إنك تعلم أني لا أخرج متبعًا هواي ولا مبتغيًا عرض الدنيا ولا مرائيًا الناس.. فاللهم ثبّتنا وإنصرنا ونقنا من المنتفعين والمتسللين والمدّعين.. اللهم إجعلنا حناجرنا تهدر بطلب حقك وأيدينا تعمل له.. اللهم إن بعض إخواننا بغوا علينا فأظهر حقك عليهم ثم أصلح بيننا وإحقن دمائنا.. اللهم كن معنا ولا تكن علينا.. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه... اللهم إن أصبنا فبفضلك وإن أخطأنا فمنّا فاهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت واجعل الحجة لنا لا علينا واغفر لنا ما لا نعلم.. اللهم سدد إلى خصمنا بيدك لا بأيدينا ولا تكلنا لأنفسنا ولا تدخل بيننا الشيطان.. إنك حي قيوم فبك نستغيث..


lundi 29 octobre 2012

وحشة الطريق


وحدي على المقهى أدخن أرجيلتي بنكهة اكتئابي الثقيلة.. قام عني الأصحاب انشغالا وغاب الآخرون تضجرٍا وتفرغتُ لمحاورة دخاني محاولاً إيجاد عمقًا عبثيًا ما لملامح سحاباته.. أضيف نوعًا جديدًا لبراءات اختراعات قراءة البقايا.. بقايا البن في القدح.. بقايا الخطوات على الرمال.. بقايا الأضاحي في أكبادها المشقوقة..

 لا أفهم ولع الإنسان بآثار من وما يغيب مقارنة بزهده به حين كان موجودًا يشغل مساحته من العالم.. حتى وجوه البشر تجد طريقها أسهل لقلوبنا حين يوضع عليها الشريط الأسود في الركن الأيسر من أعلى الصور.. نرى الحي ميتًا في عيون مشاعرنا حتى إذا مات بعثناه حيًا بالدموع كأنما كان شقيق الروح وربما احتك كتفه قبل أن يرحل بأكتافنا فلم نعره انتباهًا.. الحب فينا رجعي الأثر والبغض والتضجر حالّا الوقوع..

 نسير في الدنيا وقد حمّلنا بعضنا البعض صلبان النسيان في طرق الآلام حتى إذا ما بلغ أحدنا قمة الجبل ورُفع على صليبه تباكينا عليه وهششنا عن رأسه الطير وضممناه لأيقونات القدّيسين وانهلنا نتمسح به تبركًا بنفس أيدينا التي ضفّرنانا له بها تيجان الشوك .. ثم هبطنا عن الجبل نجتاح بعضنا بعضًا بالتناسي والتجاهل ثم نعود كرةً ثانية كل حين، نبكي على أطلال أنفسٍ قتلناها هجرًا كهجر المؤمنين دور من أهلكتهم الصيحة أو أشد هجرًا..


نقرأ لأنفسنا آيات الوعد ونجلد غيرنا بآيات الوعيد.. يشيّد كل منا بلاط مُلكٍ مختصر في مساحته من الدنيا ويحيط نفسه بشعراء المدح ومهرجي السلطان وقد وقف على باب رحمتنا السياف مستلاً العُزلة يهوي بها على من قضينا وطرًا من صحبته أو تشائمنا من طلعته...

نجبر أناسًا لم يتحرروا من فطرة الإنس في طلب الاُنس أن يترهبنوا عن دفء صحبتنا..أديرتهم الوحدة وصوامعهم الوحشة وصلواتهم استجداء كسرة حبٍ وشربة اهتمام يتزودون بها منا للسفر الطويل..نبخل بهما عليهم فيشقوا بطونهم عمّا تبقى فيها من سابق وصلنا فيصنعون منها ولائمًا وسُرُجًا تضيء وحشة طرقهم ويحمدوننا صدقًا وحبًا لجودنا العظيم..ثم يمضون ضنًا بثقلهم على نفوسنا..

رضي الله عن عليّ فحقًا قال:"آه من بُعد السفر.. وقلة الزاد ..ووحشة الطريق"

mercredi 19 septembre 2012

أوافق على مسح جرافيتي الثورة!




"إمسح..وأنا حرسم تاني"
أصبحت هذه العبارة تلخيص العلاقة بين رسامي الجرافيتي والداخلية..كلما رسموا محت هي  رسومهم..وكلما محت أعادوا الرسم..
"كل ما تمسح حرسم تاني"

إصرار يمكننا أن نتفق أو نختلف معه لكنه يستحق الاحترام من فنان ما لا يهتم بوضع توقيعه أو اسمه بقدر ما يهتم بإثبات أن "الحكومة" وجوه تأتي وتذهب بينما الإنسان المصري يبقى ويستمر رسمًا على حائط بيد فنان لا يضايقه أن يكون مجهولاً ما دامت فكرته خالدة..
خلال حكم العسكر لم يكن غريبًا أن تحارب "الحكومة" الجرافيتي..ولكن..في عهد أول رئيس منتخب..يفجعنا مشهد سيارات الداخلية وهي تمحوا رسوم الجرافيتي من شارع محمد محمود..صور الاعتراض على حكم العسكر..صور رفض عودة الفلول..وحتى صور الشهداء..
طبعًا قامت قيامة الثوار..ولكن..أنا لي رأي مختلف معهم..
فأنا أوافق على محو كل جرافيتي الثورة من جدران شارع محمد محمود وكل الشوارع التي حفر الرصاص والخرطوش علاماته في جدرانها وسقت الدماء أسفلت أرضها..
أوافق شريطة أن تقوموا كذلك بمحو ذكرياتنا الأليمة عن أحباء اختطفهم الغدر من بيننا وآخرين اختُطِفَ النور من أعينهم، عن مرارة غدر أصحاب الأطماع بنا وطعنهم إيانا في الظهور بينما كُنا نُقتَل ونقدم أنفسنا قرابين حرية لم يكونوا لينالوا الكراسي لولاها..أوافق على محو كل صور الشهداء ولكن بالله عليكم فلتمحوا معها من ذاكرتنا كل ما جعلنا نعتبر أن كلمة "غدًا" هي من قبيل الترف المُبالَغ فيه..

في رواية "1984" للرائع جورج أورويل كان البطل يعمل في ظل حكم شمولي ديكتاتوري قمعي في مؤسسة إعلامية مهمتها إعادة تشكيل الرأي العام عن طريق "صناعة تاريخ" مشرف للمرضي عنهم وآخر مشين للمغضوب عليهم بل وأحيانًا محو وجود الشخص من التاريخ كله..والغريب أن الشعب كان يتجاوب تمامًا مع تلك اللعبة مسلمًا عقله وروحه وذكرياته لأيدي "صناع لتاريخ"..
لو أنكم تستطيعون أن تفعلوا المثل بنا ..فتفضلوا..ولكن فلتفعلوه ببراعة وإتقان..فلتمحوا كل ذكرياتنا الأليمة، كل لحظة خوف على صديق كان في شارع محمد محمود ولم يرد على مكالماتي وأنا أتصل به لأطمئن أن رصاصة ما لم تختطفه من حياتي..ذكريات أمي وهي تبكي سرًا وهي تعصر قميصي المضرج بدمائي بعد إصابتي في شارع مجلس الوزراء..ذكرى لحظة اختراق الخرطوش للعين اليسرى لصديقي بيد ضابط شرطة كان توًا قد نال الأمان من نفس الصديق! فلتمحوا مع الرسوم دموعًا ساخنة أحرقت قلب شاب من الألتراس بينما هو يكتب على جدار ما في الإسكندرية بعد مذبحة بورسعيد "غندور بطّل يشجع"..وصوت أم مكلومة أبكت رجالاً بشوارب وهي تصيح بلوعة "بيقتلوا الورد يا ولادي!"..هل تستطيعون أيضًا أن تسدونا خدمة جليلة بمحو الصعفة العاتية على كرامة كل منا وهو يرى صورة ست البنات تُسحَل وتعرى بينما أهل الدين يقولون "إيه اللي وداها هناك؟".. فلتعدوني أن تمحوا من ذاكرتنا أن كان يوجد يومًا ثائرًا اسمه مينا دانيال وطبيبًا مناضلاً اسمه علاء عبدالهادي وشيخًا وقورًا اسمه عماد عفت..وعندئذ لكم كامل موافقتنا أن تمحوا رسوم الجرافيتي من كل شبر في مصر..
ولكن بالله عليكم أجيبوا سؤالي: ماذا بينكم وبين صور الشهداء على الجدران لترغبوا في إزالتها من الوجود؟
لقد كنت أفهم غضب العسكر على تلك الرسوم لأنها لأناس ماتوا وهم يهتفون بسقوط حكمهم..فماذا يمسكم منها؟ آه..عفوًا..كيف غاب عني أنها تذكر الداخلية بأن هذه رسوم لوجوه أصحاب نفوس أزهقها رصاص من يُفتَرَض أنهم في خدمة الشعوب وأن في هذه الشوارع فقئت أعين بخرطوش "الباشا" الذي يستحق بجدارة أن يقال له "جدع يا باشا"..كيف غاب عني كذلك أنها تذكر أصحاب الكراسي بخذلانهم لنا بل ومشاركتهم المعنوية في القتل عندما أعطوا القاتل شرعية جريمته بتصريحاتهم أن "هؤلاء الذين في محمد محمود فوضويون مخربون يريدون إسقاط الشرعية وتدمير مكاسب الديموقراطية"..
هذه الرسوم إذن "جائت على الجرح"..
على أية حال أرجو أن تكونوا قد أجدتم اختيار الدهان الذي محوتم به الجرافيتي..فرسومه تلك لم تُرسَم بألوان عادية بل رسمتها قبل ذلك دماء الشهداء والجرحى ودموع أمهاتهم وأصدقاءهم..هذه أشياء لا تُمحَى بسهولة..
فلتمحوا إذن الرسوم مرة والثانية والعاشرة والألف..لا جدوى..فما تمحون إلا رسم قبل يُطبَع على الجدار فقد انطبعت معانيه في نفوسنا وفي أعمق نقطة بأرواحنا..سنبقى كلما مررنا في شارع محمد محمود-وكل شوارع الثورة-نرى بعيون ذاكرتنا وجوه الشهداء ونشم مزيجًا من رائحة الغاز والكمامات المبللة بالخل، ونسمع من بعيد صوت إطلاق الخرطوش، ونلمح من بين الضباب سائقي الموتوسيكلات يتحركون ذهابًا وإيابًا لحمل الجرحى..وقبل أن نغادر الشارع سنلمح من بين كل هذا الزحام علم مينا دانيال يلوح في الأفق..بالمناسبة..أنا لم أكن في شارع محمد محمود عند وقوع ملحمته..لكن صدقوني أنا أحس كل هذا كلما مررت حتى ولو من أمامه..فما بالكم بمن عاش أحداثه..يمكنكم إذن تخيل قوة ذلك الذي تحاولون محوه..فلتبذلوا جهدكم إذن..ولكن لتعلموا أنكم بهذا لا تزيدونا إلا إصرارًا على إعادة ما تحاولون محوه..
ستمحون وجوه الشهداء وقصصهم..ولكننا سنعاود رسمها بالألوان على الجدران..بالكلمات والألحان في أغاني الألتراس..بالحكايات الباسمة والدامعة في قصص الثوار..بالكلمات في كتابتنا وتدويناتنا عن تاريخ الثورة وحتى تغريداتنا على تويتر..بكل ما فينا من مرارات وغضب..فقط سيتغير أنكم ستضيفون أنفسكم لقوائم غضبنا..وستجدون لأنفسكم مكانًا في الجزء الأسود من مشاعرنا التي نترجمها رسومًا وحكيًا وغناءً..

أرونا إذن شطارتكم في محو كل هذا لو استطعتم..أنتم أردتم التحدي..ونحن قبلناه..

فلتكونوا إذن على بينة من القاعدة.."كل ما تمسح...حرسم أكتر!"




mardi 18 septembre 2012

عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية


عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية

اعترف أني قضيتُ عددًا لا بأس به من سنوات عمري اعتقد أن الثور يُستثار باللون الأحمر حتى قرأتُ ذات مرة أنه-الثور-مصاب بعمى الألوان وأنه يستثار فقط من اهتزاز قطعة القماش وصيحات الاستفزاز التي يطلقها مصارعه.نحن إذن أمام ما يمكن تسميته ب"الخداع المزدوج"..فالثور مستفز لسبب غير ذلك الذي يعتقده المشاهدون، وكلاهما لا يعرف ما يفكر فيه الآخر، بينما المتعة كلها للمصارع..ما يزيد الأمر متعة هو أن الثور غاضب من مجرد قطعة قماش وبعض الصيحات ولا يشعر بمساعدو المصارع الذين يهاجمونه من الخلف، هذا يضربه برمح، وهذا يشتت انتباهه، وفي النهاية لا يدري إلا وسيف المصارع مغروز في جسده المنهك بين صيحات استحسان الجمهور!

هل يرى القاريء العزيز معي تشابهًا بين هذا وما كنا فيه الأيام الماضية؟ كنا متنبهين لعدة قضايا:الثورة السورية، العلاقات الخارجية المصرية، بناء الدولة من الداخل، الانتخابات الأمريكية، الدستور المصري القادم، المعتقلين عسكريًا، احتجاجات القطاع التعليمي طلبة ومعلمين وإداريين، عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات، عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، قضية الرئيس السابق لأمن الدولة حسن عبدالرحمن واتهامه باتلاف المستندات، وغيرها..
فجأة لوّح لنا أحدهم بالفيلم المسيء فتملّكنا طبع الثيران-ضخامة وكثرة وقوة بلا عقل-واندفعنا مشهرين قروننا ومطيحين بحوافرنا بكل ما حولنا..

"سقوط 92 شهيدًا في سوريا برصاص قوات الأسد"

"إخلاء سبيل اللواء حسن عبدالرحمن الرئيس السابق لجهاز أمن الدولة"

"فضيحة في كلية الحقوق بالإسكندرية..الطلبة يعثرون على التظلمات التي قدموها لإدارة الكلية ملقاة في صناديق القمامة"

"اختراق إسرائيلي لأجواء قطاع غزة وتوغل بري لبعض الدبابات الإسرائيلية في القطاع"

"المرشح الجمهوري رومني يؤكد أن على أمريكا أن تكون أكثر حزمًا مع مصر ويهدد بقطع المعونة"

"عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات كالإسكندرية والأقصر وشمال سيناء"

ما هذا؟ لا تزعج الثور يا رجل فهو مستمتع بإظهار غضبه واستعراض رجولته أمام الجمهور..طبعًا الجمهور لا يعرف بشأن الفيلم، يعرف فقط أن كل هذا بدأ يوم 11 سبتمبر 2012 أي في الذكرى الحادية عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001..الثور إذن ليس غاضبًا بل هو يحتفل..بم يحتفل؟ بذكرى أسوأ حادثة شهدتها أمريكا؟ حسنًا..إليكم الأنباء السارة..بعض الملايين من الأمريكيين المتابعين للمباراة قد بدأوا مراجعة أنفسهم بين رومني الجمهوري المتطرف وأوباما الديموقراطي اللين..تلك المراجعة التي يعلم الله وحده كيف يمكن أن تنتهي..هل يمكنك أن تلوم من شاهد سفيره يُقتَل وسفاراته تُهاجَم على انتخاب من يتوعد هؤلاء "الهمج المتعصبين" بأن يعلمهم الأدب؟

والثور ما زال يمرح هنا وهناك..لا بد أن بشار الأسد يرقص طربًا الآن، فالثور يقدم فقرة ممتعة تبدو أكثر تسلية للجمهور من مذابح سوريا التي بدأت تسبب لهم "الضجر"..نتنياهو أيضًا منتشي وهو يتابع نشاط قواته في غزة..ماذا عن فلول النظام السابق؟ لا بد لهم من نصيب من المرح..فليمرح الجميع...فبيت الثور نهب مباح والدار أمان طالما أنه يقدم رقصته رافعًا قرنيه بفخر ونشوة!
مصارعة الثيران السياسية كذلك كوميدية بشكل أسطوري، من شاهدوا فيديوهات للاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين في محيط السفارة الأمريكية في القاهرة يمكنهم إدراك مستوى العاطفة الدينية الحارة عند متظاهر يسب الدين للضباط والجنود ثم يتبعها ب"إلا رسول الله يا ولاد كذا"! معذور..فإذا كان شيخًا جليلًا شهيرًا قد أطل علينا برسالة مصورة تفاخر فيها أننا عفيفو اللسان ثم أتبعها بسبة شديدة البذاءة للموجهة إليهم رسالته! والثور المصري لم يتفوق في المرح على شقيقه السوداني الذي يستحق جائزة الابتكار لأنه اكتشف أن السفارة الأمريكية في بلاده تبعد مسافة طويلة عن المسجد فقرر إحراق السفارة الألمانية الأقرب إليه، هذا فضلاً عن الثور اللبناني الذي لم يعرف مكان السفارة فأحرق مطعم دجاج كنتاكي..بحق الله كم هي مرحة هذه الحياة!
ولكن لا بد للمرح من نهاية..فسرعان ما ينغرس سيف المصارع في عنق الثور ومعه شعور بعدم التصديق، يحاول الثور المترنح تعبًا وغدرًا أن ينتصب على قوائمه، أن يضرب المصارع بقرونه-ولكنه يكتشف أن قوائمه قد حطمها الدوران حول "القماشة الحمراء" وأن قرنيه لم يُجعلا للطعن والضرب بل للرفع باعتبار أن رفع القرون علامة الرضا..يحاول حتى أن يطلق خوارًا أخيرًا..لكنه لا يدري بنفسه إلا وهو يتمرغ في التراب المعجون بدمه بين صيحات تحية الجمهور للمصارع المنتصر..وقبل حتى أن يلفظ النفس الأخير يشعر بسكاكين مساعدو المصارع تمزق جسده وتتقاسمه وسط تنبيهات هذا الأخير أن يتركوا له الرأس والكبد والأفخاذ..فللمصارع نصيب الأسد وللمساعد نصيب الضبع..هكذا تقتضي القسمة..
وقبل أن يغمضهما للأبد تقع عينا الثور على سحابات دخان في الأفق تخرج من بيت دكته غارة إسرائيلية، وموظفًا يشعل النار في نفسه أمام قصر الرئاسة المصري لعجزه عن توفير مصاريف المدارس لأولاده، وأمًا سورية تعطي رضيعها الشعيد العناق الأخير..ويسمع من بعيد صوتًا معدنيًا فخورًا يهتف وسط هتافات حشد فرح "مستر ميت رومني..الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية!"
(تم)

jeudi 16 août 2012

عن قطيعنا الثوري نتحدث

هذا المقال تم نشره في العدد  12 من جريدة العاصمة 2
-----------
عن قطيعنا الثوري نتحدث!
نكثر من الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين باعتبار أنها "قطيع" سياسي ولا ننظر لتكرر نفس الظاهرة الخطيرة في صفنا الثوري، وكأنما يتحقق فينا قول السيد المسيح-عليه الصلاة والسلام-عمّن يشير للقذى في عين أخيه ولا يرى الخشبة التي في عينه هو.
ربما يختلف شكل منطق القطيع عندنا معشر الثوار عنه عند الإخوان ولكن النتيجة واحدة..هم لديهم السمع والطاعة للمرشد والقيادات العليا والوسطى ونحن لدينا الخوف الدائم من رفاق دربنا واتهامهم لنا بضعف أو انعدام الثورية، أو بالسذاجة السياسية، أو غيرها من الاتهامات لمن يختلف مع الآراء والمواقف المسيطرة على الكتلة الأكبر من الثوار.
جرّب أن تؤيد الإخوان-رغم حدة خلافك معهم-في هذا الموقف أو ذاك وقل لي كم ممن هبوا في وجهك بين مسفّه ومتَهِمًا إياك بالخيانة يؤمنون حقًا بصحة موقفهم وكم منهم إنما يفعلون ذلك من منطلق "الإحساس بالواجب" تجاه الفئة الثورية أو السياسية التي ينتمون لها؟ حاول مرة أن تطرح للنقاش موضوعًا محل جدل ك"تطبيق مباديء الشريعة أم أحكامها" وافعل مثلي وقلها صراحة أنك كليبرالي  لا مشكلة لديك في تطبيق الحدود لو توفرت ضوابطها وشروطها كاملة وحاول أن تعد بين معارضيك كم واحدًا تعلم بحكم قربك منه إنسانيًا أنه يفكر مثلك ويريد أن يقول ما تقول ولكنه يخشى أن يُتَهَم في مدنيته وتحرره وتحضره فيضطر للوقوف في صف من يهاجمونك..فيم يختلف هذا عن ثقافة القطيع الإخوانية؟
من المفهوم أن حالة "الفرز" التي سادت الوسط الوطني-بثواره وسياسيوه-قد خلقت حالة من الخوف لدى الكثير منا أن يرسب في "اختبارات الوطنية" المتكررة، ومن الصحي أن يراقب المرء نفسه وقراراته كيلا يحوم حول حِمَى الانفصال عن الثورة أو يقع فيه، ولكن أن يؤدي هذا بنا أن نتخلى عن قناعاتنا فنقول ونفعل ما لا نقتنع به لكي "نُعجِب" رفاقنا الثوار فهذا عندي من ضروب الحماقة والنفاق وهو أساس التَلَوُن المذموم..ثم أنه ببساطة جُبنٌ فاحش..ولعمري كيف تكون شجاعًا أمام الرصاص والخرطوش والمدرعات وأنت جبان أمام الانتقاد والهجوم باللسان والأقلام؟صحيح أن من القول ما يؤذي المرء في روحه أكثر مما تفعل الرصاصة في بدنه ولكن المباديء لا تتجزأ..الشجاعة لا تتجزأ..واحترامك حريتك وكرامتك وحقك في التعبير ليس احترامًا انتقائيًا وفق المواقف والأحداث..
إني "أنا" قبل أن أكون ليبراليًا..."أنا" هذا هو ليس المواقف المدروسة والتعليقات المنتقاة بعناية بقدر ما هو رد الفعل التلقائي إزاء خبر أو حدث أو موقف..هو أول لفظ-مهذب كان أم بذيء-يخرج كرد فعل على خبر صادم، هو ارتعاشة اليد التي تكتب وتهدج الصوت الذي يهتف حين يترك المرء العنان لنفسه ويضرب بعرض الحائط تعليقات الآخرين..هكذا أرى الثائر، فهو ثائر على نفسه قبل أن يثور على نظام أو سلطة، يفعل ما يراه صوابًا ويقول ما يراه حقًا دون أن يسأل "أين سيذهب بي هذا"أو"كيف سيصنفني الآخرون"..
قد تنقلك كلمة من أقصى اليمين لأقصى اليسار..أو يخرجك موقف من دائرة الثوري إلى دائرة الإصلاحي، أو يضعك تعليق في خانة الليبراليين عوضًا عن خانة الإسلاميين...لا يهم..المهم أن "أنت" دون مساس بكيانك ودون ذلك النير المعنوي حول عنقك والذي يحولك من كائن متفرد يمارس دورًا في منظومة مكونة من كائنات متفردة تتكامل إلى مجرد ثور في ساقية المنظومة أو رأس غنم في قطيعها..وعندها سيكون من المضحك أن أراك تهاجم ثقافة القطيع لدى الإخوان أو بعض السلفيين وأنت تثغو وتخور بدورك في قطيعك الخاص..
(تم)



mercredi 18 juillet 2012

عن "خناقة" ساويرس والأسواني وتهمة "المتحولون" نتحدث


عن "خناقة" ساويرس والأسواني وتهمة "المتحولون" نتحدث!

ثمة مثل يتحدث عمّن يحمل شيئًا كريه الرائحة وهو يصيح بالناس أن رائحتهم كريهة! أو كما يقال على لسان السيد المسيح-عليه وعلى كل الرسل الصلاة والسلام-"ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟!"

المهندس نجيب ساويرس وصف بالأمس دكتور علاء الأسواني أنه من "المتحولون" (!!) وهي التهمة الجاهزة من كل المتطرفين في كراهيتهم للتيار الديني والتي يصبونها على رأس أي ليبرالي أو يساري أو علماني يتخذ موقفًا مؤيدًا أو داعمًا أو متفهمّا من موقف اتخذه التيار الديني بالذات الإخوان. طبعًا هذا جزء من العاصفة الغاضبة والغزوة المقدسة التي شنها بعض مدّعو المدنية على كل من أخذ موقف المساند للرئيس مرسي منذ جولة الإعادة وحتى الآن سواء في مواجهة العسكر أو الفلول..
والحقيقة أني أرغب في معرفة مفهوم المهندس ساويرس عن تعبير "المتحولون" .. فبصراحة أنا أراه أجدر الناس بأن يحدّثنا عن التحوُّل في ضوء تحوّله الخاص من رافض لرحيل مبارك ومقدّر ل "تاريخه" –كما يظهر في هذا الفيديو المسجل قبل التنحي http://www.youtube.com/watch?v=2PU_jUCWnDs&feature=results_video&playnext=1&list=PL95562B754C0ADF32- وانضمامه بعد ذلك للمتحدثين عن الثورة وباسمها والمتحمسين لها، ثم بعد ذلك مروره بطور تحول جديد عندما أعلن دعمه للفريق شفيق الذي اشتهر برفضه وصف ما حدث بالثورة وحديثه عنها باعتبارها "حركة" ثم بعد ذلك قوله "للأسف الثورة نجحت" وتوعده الثوار بأن "ما جرى بالعباسية مجرد بروفة"..والآن-يا لسخرية القدر-يحدّثنا الأستاذ نجيب ساويرس عن التحول..مرحى! ألم أقل لكم من قبل أني سأعيش ألعن لحظات حياتي وأنا أفسر للأجيال القادمة هذه الألغاز الفذة في ثورتنا؟!
الأستاذ نجيب قدّم لنا كذلك لغزًا ظريفًا، فقد أعلن أن رموزًا وطنية قبطية رفضت مقابلة هيلاري كلينتون خلال زيارتها الأخيرة اعتراضًا من تلك الشخصيات على التدخل الأمريكي في الشأن المصري، مع أن منذ عدة أشهر طالب ساويرس الأمريكيين-بشكل صريح وفي برنامج على قناة أجنبية-أن يتدخلوا لإيقاف الإخوان المسلمين عند حدهم..
حسنًا هذا لغز يمكن للقاريء العزيز أن يستغله لتسلية صيامه وإن كنت أشك أنه سيستطيع بعد خمسة دقائق من التفكير فيه أن يحافظ على صيامه سليمًا!
ثم يحدّثنا أستاذ ساويرس عن المتحولون!
                                                           ***
اعترف أني اختلف في أمور كثيرة مع الدكتور علاء الأسواني، أمور مثل موقفه من البابا الراحل شنودة بعد وفاة هذا الأخير، أو نظرته وتفسيره لبعض محتويات ومعطيات التاريخ الإسلامي وحكمه القاسي على النظام السياسي للخلافة في تاريخ الحضارة الإسلامية، أو هجومه على الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح خلال الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة..ولكني لا أستطيع إلا أن أشهد لهذا الرجل الرائع-دكتور الأسواني-بالأمانة والصدق والوطنية الخالصة، وكذلك الشجاعة في المجاهرة بالموقف، ويمكن للقاريء أن يراجع أي من كتبه مثل "هل نستحق الديموقراطية" و "لماذا لا يثور المصريون؟" و"مصر على دكة الاحتياطي" و "هل أخطأت الثورة المصرية" لنجد أنه يسير على نفس الخط منذ بدأ الكتابة ولم يحِد عنه قدر أنملة، وهو مع ذلك من أكثر من تعرضوا للظلم سواء من الهيستيريين من المنتمين للتيار الديني بالطعن في دينه واتهامه بمعاداة الهوية الإسلامية أو من المتطرفين من الذين ينسبون أنفسهم-زورًا وبهتانًا-للتيار المدني بأنه قد "ارتمى في أحضان الإخوان وقرر أن ينافقهم". بالعقل والمنطق..رجل كان يهاجم مبارك ونظامه بكل شراسة خلال فترة توحش هذا النظام وتغوّله حتى لم يسلم منه المفكرون فهُدِدَ إبراهيم عيسى بالسجن وضُرِبَ عبدالحليم قنديل ونزعت عنه ملابسه في الشارع وخُطِفَ د.عبدالوهاب المسيري-رحمه الله-وألقي في الصحراء وسُحِلَ الصحفي محمد عبدالقدوس..هل مثل هذا الرجل-علاء الأسواني-الذي تحدى مبارك في أوج قوته يمكن أن يقرر أن ينافق الإخوان وهم في واحدة من أضعف حالاتهم سياسيًا وشعبيًا؟
تهمة التحول إذن ممجوجة ومجروحة سواء لانتفاء منطقيتها بناء على المعطيات السابقة وكذلك لصدورها عمّن رأينا جميعًا تحوله نهارًا جهارًا من مدافع عن بقاء مبارك إلى متحدث باسم الثورة عليه ومن مطالب بالتدخل الأجنبي إلى رافض له..وللأسف هذا موقف الكثيرين ممن يتمسحون في الليبرالية والمدنية وهم في ذات الوقت-سبحان الله-يجاهرون بتأييدهم لمرشح رئاسي ذو خلفية عسكرية يهدد في خطابه صراحة باستخدام القوة المفرطة والإعدامات..أين الليبرالية أو المدنية من هذا؟
لقد كنتُ لأتفهم-ولا أقول أتقبل-مواقف الأستاذ ساويرس وتحولاته وتغيرات لو أعلنها صراحة قائلاً "أنا رجل أعمال وسأضع يدي في يد من لا يعترض أعمالي ولا يضر بي" بهذا الشكل كانت مواقفه لتتخذ شكلًا أكثر منطقية حتى وإن كان مجال القول مفتوحًا في أخلاقيتها..
بسبب من هم على ما عليه المهندس نجيب ساويرس أطالب دائمًا إخواننا من التيار الديني ألاّ يصفوا بالليبرالية إلا من إلتزمها بالفعل كما يطالبوننا هم ألاّ نصف بالإسلامية إلا من لم يخالف تعاليم الإسلام..فلا نحن نقول أن كل ملتحٍ سلفي ولا هم يقولون أن كل من عارض الإسلام السياسي ليبرالي..فالمثل يقول "وِلد السوء يجلب لأهله اللعنة" ونحن-معشر أهل التيارات المدنية-قد إكتفينا من اللعنات بسبب مواقف من حذوا حذو الأستاذ ساويرس..
ويحضرني هنا قول لناشط سياسي من أنصار مدنية الدولة قال لي ما معناه أن وجود ساويرس في تحالف أو تكتل سياسي-كالتيار الثالث مثلاً-هو ضربة قوية لهذا التيار وتقوية-في المقابل-للتيار المضاد له..وهذه حقيقة..فالأستاذ نجيب قد أصبح شخصية-لو سمحتم لي بالتعبير-"متعلم عليها" سياسيًا..وهي "تعليمة" تطال من وضع يده في يده..حتى لو كان واضع يده هذا ممن اشتهروا الصراحة والأخلاقية السياسية..
لهذا..فنصيحة للأستاذ المهندس رجل الأعمال نجيب ساويرس أن يريح نفسه-ويريحنا معه-من ممارسة السياسة وليركز مجهوده في حماية وصون أعماله ومؤسساته وشركاته وتكييفها مع المتغيرات على الساحة الوطنية بدلاً من أن يحاول أن "يفصّل" الظروف على مقاسه هو..وليقل خيرًا أو ليصمت، فإلقاءه تهمة مشينة كالتحول على شخصية وطنية يعتبرها البعض بحق-وأنا منهم-رمزًا وطنيًا فذًا هو عمل لا يمر مر الكرام ويجر على صاحبه أيًا من كان ما اعتدناه معشر المصريون من فتح الملفات القديمة والإتيان ب"القديم والجديد" لمن يلقي التهم افتراءً..
(تم)





dimanche 10 juin 2012

فلنترك الإخوان يذهبون إلى الجحيم


فلنترك الإخوان يذهبون إلى الجحيم!

ملامح المذبحة المُعدّة للإخوان تتضح..فما التلميحات-بل والتصريحات-المتتالية علينا من أحمد شفيق وكل من يأخذون جانبه إلا تمهيدات واضحة لأن تُحَمَّل جماعة الإخوان المسلمين جزءً كبيرًا من فاتورة دماء الشهداء الذين سقطوا خلال الثمانية عشر يومًا الأوائل من الثورة خاصة تلك المتعلقة بموقعة الجمل، نحن هنا لا نتحدث عن مسئولية فرد أو اثنان من الجماعة بل نتحدث عن مصيبة تستعد لأن تقع على رأس الجماعة كلها متمثلة في اتهام صريح وواضح بالتآمر على الدولة وارتكاب جرائم قتل مع سبق الإصرار..وهذا أكثر ما يفسر سيطرة الهيستيريا على أداء الإخوان في دعايتهم لمرشحهم د.محمد مرسي وسعيهم المستميت لاجتذاب أصوات التيارات والفصائل الأخرى التي أدت سياسة الإخوان خلال الأشهر الماضية لنفورها وعداءها.
                                                                ***
اعترف أن موقفي من دعم الإخوان ممثلين في مرسي أمام فلول النظام ممثلين في شفيق كان متذبذبًا، فمنذ ما قبل يوم إعلان النتيجة كنت قد قررتُ أن لو كانت الإعادة بين مرسي وشفيق أو مرسي وموسى فإن دعمي سيكون مباشرة لمرسي، ولكني بعدها عدلتُ عن ذلك وقررتُ إبطال صوتي(فأنا لن أصوّت لشفيق بالتأكيد)احتجاجًا على العنجهية والتكبر الذان يطلان من الخطاب السياسي للإخوان، بعدها عدتُ-أمس الأول-لاتخاذ القرار بدعم مرسي بعد أن بدا واضحًا من الخطاب العدواني لأحمد شفيق أن عهده سيبدأ بحملة تنكيل قاسية بالإخوان!وأنا مهما بلغ غضبي للإخوان بل وبغضي لهم لن أسمح بالاعتداء عليهم ولا بظلمهم..فإذا كان الإمام علي عليه السلام قد وصف من حملوا ضده السلاح في موقعة الجمل بأنهم "إخواننا بغوا علينا" وعندما قُتِلَ أحدهم غيلة-الزبير بن العوام رضي الله عنه-بكى الإمام وقال : "بشّر قاتل ابن صفية-يعني الزبير-بالنار" .. ثمة حدود للبغضاء يعرفها العاقل ويضل عنها من أعماه الهوى حتى لم يعد يفرق بين من "كان معي ثم انحرف عني" ومن "كان ضدي من البداية وما زال ضدي حتى الآن!"
"آخرة خدمة الغُز علقة" ..ونحن قد حذرنا الإخوان مرارًا وتكرارًا من الطريق الذي اتخذوه منذ ما بعد التنحي ولكننا الآن أمام ما يمكن أن أسميه "اختبار الدم" وهو في رأيي الاختبار الذي يُظهِر الثائر الذي خرج من أجل صورة مجردة لمصر الحرة الكريمة وذلك الذي خرج لأجل صورة معينة في رأسه لا يريد سواها وإلا فليأتي الطوفان ويجرف الجميع.

مصر جسد مريض بالنظام والمنطقي أنك حين تعالج مريضًا فإن الأولوية تكون لطرد المرض من جسده أما رغبتك أن يصبح صاحب هذا الجسد رياضيًا مفتول العضلات أو رغبتي أن يكون عالمًا فذ الفكر واللسان فهذه خطوة تالية، واختلافنا لا يعطي أيًا منا الحق أن يقول "فليكن الجسد كما أريد وإلا فلنترك المرض يلتهمه" فهذه أنانية وحماقة لا تختلف كثيرًا عن أنانية وحماقة تخلي الإخوان عنا خلال الفترة الماضية لاختلاف رؤيتنا مجتمعين عن رؤيتهم وحدهم، ومجابهة الحماقات بالحماقات هو عين السفه والاختلال الفكري والأخلاقي!

والنظر للأمر باعتبار أنه "إهلاك للظالمين بالظالمين" إنما هو ظلم فادح وانفعال عاطفي طفولي سخيف، فالمفترض من أي صاحب عقل يحترم نفسه أن يقيّم هذا الفصيل أو ذاك بمعايير معينة ثابتة وواضحة والمساواة بين فصيل مناضل أصابه الفساد في الأشهر الأخيرة فقط-الإخوان-بآخر فاسد من الجذور منذ نشأته الأولى منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود-الفلول-هو تعبير عن اختلال معايير الحكم والتفرقة ووجود خلل في التفكير وافتقاد للموضوعية بل وللأمانة. فبينما انحراف الإخوان عن المسار الوطني أمر عارض فإن وقوف الفلول على الجانب المعادي لمصلحة الوطن أمر قاموا عليه من الأساس ويشكل القاعدة القديمة لنشأتهم.فهل من المنطق أو العدل أن نساوي بينهما؟

وأما من يقول بأنه سيقف على الحياد الآن و "إذا" تعرض الإخوان للأذى فإنه سيخرج للتضامن معهم فهو في رأيي "الأعمى" الذي لا يرى من الغربال في المثل الشعبي "اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى" فحتى الغربال لم يعد حائلاً بيننا وبين وضوح الرؤية للمذبحة التي تنتظر الإخوان جماعةً وحزبًا..لا يوجد ما أهو أكثر من أنهم قد اتُهِموا مباشرة بارتكاب جريمة قتل الثوار في موقعة الجمل.. ماذا تريد أكثر من ذلك لتتيقن أن الأذى قد بدأ بالفعل؟

"الإخوان لو كانوا مكاننا لباعونا بنكلة" و "الإخوان حتى لو وقفنا إلى جانبهم ودعمناهم فإنهم سيبيعوننا في أول منعطف أمام أول إغراء" بغض النظر عن هذه التخرصات بالمستقبل وبغض النظر عن اقتناعي الكامل أنها حقيقية لكننا "ثوار مباديء" لا "ثوار مصالح" وإن كانوا هم أهل مصالح فإن علينا كأهل للمباديء أن نعاملهم بما نحن أهله لا بما هم أهله.. ولو أننا جازينا تخليهم عنّا وبيعهم إيانا بالرخيص خلال الأشهر الماضية بأن نفعل معهم المثل فإننا لن نختلف عنهم في شيء مما انتقدناهم بل وناصبناهم العداء لأجله!
صحيح أن كثير منا يرون أن تلك الانتخابات ما هي إلا تمثيلية، وأن التزوير سيكون سيد الموقف، وأن شفيق هو الرئيس القادم لا محالة، فإني أريد لو تحقق كل هذا أن أقول لنفسي بكل ثقة أني قد بذلت كل ما بوسعي لكيلا أتخلى عن الإخوان ولو كانت نسبة نجاح هذا الجهد لا تتجاوز الواحد من المليون!

أعلم أن بعض من يقرأون هذا الكلام سيصفونني بالسذاجة بل وربما التأخر العقلي..وأنا موافق على هذا الظن طالما أني في نهاية اليوم سأكون مرتاح الضمير أني لم أن أغلب غضبي على أخلاقي ومبادئي..ومع كل احترامي لكل الآراء فإن من يقول لسان حالهم "فلنترك الإخوان يذهبون إلى الجحيم" سيكونون أول وقود لهذا الجحيم إذا ما تركوا له فرصة أن يستمد لنفسه حياة من التهام الآخرين!
(تم)





samedi 19 mai 2012

من قضى نحبه..ومن ينتظر



 

بجوار كل منا في الشوارع والميادين شهيد محتمل لكننا للأسف لا نشعر بحبنا لهؤلاء الذين ارتقوا إلا بعد أن يتركونا، فجأة تعلم أن فلانًا قد رزقه الله الشهادة فتغزوك مشاعر الحب والألفة تجاهه وتتمنى لو كنت قد عرفته قبل موته والحقيقة أنه كان حيًا بجوارك وربما احتك كتفه بكتفك أو استندت إليه عندما سقطت بعد"شمة"غاز ثقيلة أو رآك يومًا مصابًا في الميدان فتبادلتما نظرة ضاحكة..تفتح صفحته على فيسبووك وتحاول أن تجد دلالة ما لآخر ستاتوس كتبه..قل لي..هل تشترك معي في القلق حول آخر ما تكتب قبل خروجك لمظاهرة مُهَدَدَة أو معركة ضارية فتستعد وتضع ستاتوس يناسب ما إذا لو لم يُكتَب لك الرجوع؟


تسير في جنازة الشهيد وتهتف "يا شهيد نام واتهنّى واستنانا على باب الجنة" فتخنقك دموعك وانت تتخيل أخاك أو صديقك مكانه، تغزو حلقك غصة وينقبض صدرك لفكرة أن تفقد عزيزًا عليك، تسترجع وجوه أقرب رفاقك إليك وتتسائل بمرارة"هل سنخرج من هذا كاملين؟"


تخرج للموقعة وتشعر بالموت يزوم حولكم..يرتفع عنكم ثم يباغتكم باختطاف واحد..اثنين..عشرة..تموت كل لحظة وأنت تسأل نفسك"من التالي؟" تبدأ في الشعور بالضعف وتكتشف كم أنك تحب المقربين إليك وفجأة تشعر أنك تكره ذلك..تكره كثرة من تحبهم..لأن كل منهم شهيد محتمل وألم محتمل في صدرك..كل منهم صورة بشريط أسود  أعلى زاويتها اليسرى..كل منهم جرافيتي مبكي على حائط شارع ما..تتمنى لو لم تكن تحبهم إلى هذا الحد..لو لم تعرفهم أصلاً..أحيانًا تتمنى لو أنك لا تكترث لأمرهم..

تحتمي برجاء من الله أن تسبقهم جميعًا..أن تكون أولهم لحاقًا بمن اختصهم الله بالشهادة...وبعد العودة من كل معركة  ينسحق شعورك بالفرحة لخروجكم جميعًا سالمين تحت ضيقك لنجاتك باعتبارها استمرارًا لعذابك ولسؤالك الممرور"وماذا عن المرة التالية؟"


تبدأ في كراهية النجاة...في الشعور أن الخروج سالمًا لعنة...تزدري الحياة حتى الجنون ويغزوك احتقار بغيض لذاتك..تحس أن نجاتك جريمة مشينة..لسان حالك يقول" أنا نجوت لأني لا استحق أن أكون من الشهداء لأنهم شجعان أقوياء أبطال وأنا جبان..أنا لست رجلاً.."

تغفل عن حقيقة أن ليست من إهانة للشهيد أكثر فظاظة من أن نعتبر أن استمرارنا على قيد الحياة يعني أننا حفنة من الجبناء أو أننا"مش رجالة"..فكل ثائر نجى من موقعة إنما هو شهيد محتمل لموقعة أخرى وكل شهيد ارتقى إنما كان ناجيًا محتملاً يوم استشهاده، وكان يومًا ما قبل الاستشهاد ناجيًا عائدًا لبيته بعد أن ودّع شهيدًا قبله، فأن تصف نفسك بالجبن وانعدام الرجولة لنجاة قدّرها الله لك هو اتهام ضمني لكل شهيد أنه كان يومًا قبل أن يرزقه الله الشهادة جبانًا عديم الرجولة وأنه لم يعرف الشجاعة إلا لحظة موته.


الله تعالى قالها فقُضِيَ الأمر "من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضَى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً" (الأحزاب:23)


كلنا رجال..كلنا شجعان..كلنا ننتظر..


لكن الله يختار من حين لآخر من يذهبون ليطمئنوا الشهداء أننا مستمرون..ويختار كذلك من يبقون لضمان الاستمرار لأن ببساطة نحن الثورة..لو متنا جميعًا لانتهت..فلا تضع الوقت في كراهية حياتك ولو كنت تشعر بالعجز عن حماية من مات فالأولى ألاّ تضيع الوقت في التحسر والندب لأن ذلك الوقت أولى به إنسانان: أحدهما قضى غدرًا وينتظر قصاصك له..والآخر لا يستحق أن يقضي غدرًا وعليك أن تحميه..وبالمناسبة..لا تسأل نفسك"لو قابلت الشهيد حقول له إيه"فصدقني هو على الجانب الآخر حيث الحقيقة المطلقة يعلم أكثر مما تعلم ولا يحتاج من يكذب عليه ..فقد اختصر باستشهاده كل المراحل بالغًا نقطة الانتصار!


dimanche 13 mai 2012

جزء ممسوح من شريط الثورة!

هذا المقال أكتبه تضامنًا مني مع معتقلي مجزرة العباسية 4 مايو 2012 التي دبّرها وأدارها ونفّذها المجلس العسكري بكل خسة وحقارة واستهتار بتحريم الله تعالى المساس بالنفس إلا بالحق..

شاب ينتمي للتيار السلفي وكانت تربطه علاقات بأناس لهم علاقات سابقة ببعض التنظيمات الدينية المسلحة.قبل ثورة 25 يناير 2011 بأسابيع تم اعتقاله بدون تهمة وإيداعه مقر أمن الدولة بالإسكندرية ثم جرى نقله وهو معصوب العينين لأحد مقار الجهاز بالقاهرة ,وهو لا يدري إلى أين ذهب..قضى نحو 36 يومًا في محبسه المظلم دون أن تُرفَع العصابة عن عينيه أو يخاطبه أحد ,ثم فجأة فُتِحَ الباب له ,أزيلت العصابة ,أعطاه أحدهم بضعة جنيهات وأمره بالعودة لمنزله..خرج من المقر مذهولاً ليزداد ذهوله بالمشهد الآتي..دبابات ومجنزرات في شوارع القاهرة ,عبارات معادية لمبارك تتدرج بين"إرحل"و"يسقط"وصولاً إلى أعتى السباب بذاءة مكتوبة على الجدران بل وفوق آليات الجيش..مدنيون مسلحون بالعصي والسيوف والأسلحة النارية ينظمون المرور ويستوقفون المارة لينظروا في أوراق هوياتهم..قادته قدماه على غير هدى لقرب النيل ليفاجأ بالمقر الرئيسي للحزب الوطني محترقًا..أخيرًا استجمع أنفاسه واسترد القدرة على النطق واستوقف أحد المارة ليسأله"ماذا جرى؟"دُهِش الرجل من السؤال ,التف الناس حول الشاب وهم يحسبونه أحد الهاربين من السجون ,نال منهم علقة ساخنة وأخيرًا سمحوا له أن يقص عليهم ما جرى ,ثم بعدها قصوا هم عليه ما فاته..يمكننا ببعض الخيال أن نعرف ماذا كان رد فعله..

المثير أن هذه القصة حقيقية..قصّها علي صديق وأخ مقرّب أثق جدًا به وبأمانة روايته..وقد وقعت لأحد معارفه!

                                                    ***

عندما تابعتُ أحداث مجزرة العباسية خلال الأيام الأربعة الأولى من مايو أصابتني-كأغلب رفاقي-أسوأ حالة اكتئاب مررت بها في حياتي..غصبًا عني تخيلتُ لو أن غيبة هذا الرجل بطل القصة سالفة الذكر قد طالت ولم يخرج سوى مساء الرابع من مايو ليفاجأ بأخبار عن شهداء برصاص الجيش وسيوف البلطجية ,عن معتقلين بالجملة يحاكَمون عسكريًا ,عن اقتحام مسجد النور بالسلاح والقبض على من فيه ,عن قصص تتسرب من خلف جدران سجون العسكر تحكي عن أعتى ألوان التعذيب..تخيل معي..هذا رجل لم يمر بمرحلة التقاط الصور المرحة مع الدبابة وهتاف"الجيش والشعب إيد واحدة"..لم يجرب شعور الطمأنينة وهو واقف في البرد في لجنة شعبية عندما يسمع صوت دورية الآليات العسكرية تقترب لتتفقد منطقته..لم تدمع عيناه وهو يرى اللواء محسن الفنجري يؤدي التحية العسكرية للشهداء..

هذا رجل محظوظ...التهم الجزء الفاسد العفن من الكعكة مرة واحدة ولَم يُصدَم به بعد أن خُدِعَ بالجزء الشهي منها..غاب عن الدنيا في عهد قذر ثم عاد ليستكمل نفس القذارة دون فاصل من الأمل الكاذب في إنصلاح الحال على مدًى قريب..

القصة بالنسبة له أكثر بساطة مما هي لدينا..مبارك لم يكتفي بكلابه في الداخلية فأطلق على الشعب كلابه من العسكر..أما ما سوى ذلك فلا يعنيه..

لمرة نادرة-لا أراها تتكرر-أرى أن بعض الجهل قد يكون نعمة ,فهذا المحظوظ ليس مضطرًا للبحث عن تفسير لاعتقال مجموعة من الشباب"زي الورد"بعد قتل مجموعة"زي الورد"مماثلة واتهام الجميع بالبلطجة ,ليس ملزمًا أن يشرح للآلاف أن ثمة فوارق يراها الأعمى بين مصطلحا"بلطجي"و"ثائر" ,هو لم ينفخ في القربة من الأساس ليكتشف أنها مثقوبة..لن يصيبه اليأس والإحباط لأنه أصلاً لم يسكر بنشوة نصر زائف على نظام تعامل مع الثورة بطريقة"إعمل نفسك ميّت"..كل ما عليه أن يستكمل ما بدأ قبل اعتقاله من محاولات لإسقاط النظام..

أنا أحسد هذا الرجل لأنه لا يجلس الآن في مكاني أمام الكمبيوتر ويحاول أن يقول جديدًا للدفاع عن سلسلة جديدة من أسرى الثوار لدى العسكر ,ليفاجأ بما يعرفه سلفًا:لا جديد..كل ما يمكن أن يقال قيل..الكلام سكت ولا يوجد في خلفية المشهد سوى صدى رصاصات وجدت مستقرها في رؤوس وصدور الشهداء ,ووقع بيادات ثقيلة على ضلوع أجساد سُحِلَت فوق دماء رفاقها لتُلقى في غيابات السجون..آهات إنسان ما في تلك اللحظة تهوي على جسده ضربات إنسان آخر لا لشيء إلا تصادُف أن الضارب أقدر على الأذى من المضروب..لو كان ما نعيش فيلمًا لكان هذا أكثر المشاهد الصامتة صخبًا..


الحقيقة أني لا أعرف كيف استكمل هذا المقال...ربما لعلمي أني لم أقل جديدًا..ولماذا أفعل؟هل جد جديد ليستدعي قولاً لم يقال؟ ما زال المصريون يعتقلون...ما زالوا يحاكَمون عسكريًا..ما زال السحل والقتل والتعذيب متوفرون لكل من فتح فمه..

لا جديد..ولا أجد ما أكمل به هذا المقال...أنا مؤمن بقضية إخواني المعتقلين..ولدي رغبة صادقة أن أكتب عنهم..لكني لا أجد ما أقول أكثر مما قيل ,فمن قمة المأساة أن نبحث عن طريقة جديدة مبتكرة نوصل بها للناس معلومة بسيطة مفادها أن"ظلم الإنسان للإنسان شيء بغيض" ,فمن لا يدرك تلك الحقيقة بنفسه فهو ببساطة حمار جر لا يستحق بذل الوقت في مخاطبته!

jeudi 16 février 2012

اعدموا عبدالرحمن موافي!

أنا لا أطالب بالحرية لعبدالرحمن موافي..لا يا سادة...دعونا من المثاليات الحمقاء وانظروا معي للجانب العلمي من الأمر..

عبدالرحمن شاب عمره 19 سنة..يدرس بكلية الهندسة..يحب الموسيقى والقراءة الأدبية..مشهور بالتهذيب والبراءة الشديدة لدرجة أني أكاد أجزم أنه لا يعرف لماذا تبيض الدجاجة..هذا شاب سيعاني أصدقاءه كثيرًا في إعداده وتسليحه بالمعلومات اللازمة لليلة زفافه!فضلاً عن وضع أيديهم على قلوبهم حتى تمر تلك الليلة على خير دون أن يحرر بحق عروسته محضر تحرش!

في نفس الوقت..ووفقًا لورق الحكومة فعبدالرحمن متهم بالآتي:
-1-حيازة سلاح بدون ترخيص.
-2-التحريض على التجمهر.
-3-تخريب الممتلكات العامة.
-4-حيازة مخدرات على سبيل الأجر لنشاطه التخريبي.

إن أي متخصص في علم الإجرام سيرقص طربًا وهو يقرأ عن النموذج الإجرامي لعبدالرحمن موافي..نحن أمام شخص يستيقظ فيتعامل مع الجميع برقي وتهذيب ثم يغلق على نفسه غرفته ليستمع لمحمد منير وعبدالوهاب وهو يتصفح كتابًا لنجيب محفوظ ويفكر في طرق جديدة لإسقاط الدولة.. الحمد لله أني-قبل أن أموت-قد رأيتُ هذا النموذج من المجرمين في مكان آخر غير روايات رجل المستحيل وملف المستقبل..وإن كنت أتسائل أين يجد عبدالرحمن في غرفته مكانًا لحوض أسماك البيرانا المتوحشة التي يلقي إليها ضحاياه!(راجع روايات رجل المستحيل)

وحتى بعد انتهاء البحث والفحص ل"عينة"عبدالرحمن ,لن أطالب له بالحرية بل بالإعدام الفوري..فهو حتى وإن كان كشفًا علميًا فذًا إلا أن وجوده في هذه الحياة كفيل بإفساد الصورة النمطية للمجرم البلطجي وتلك الصورة النمطية الأخرى ل"شباب الثورة المتطاهر"..ونحن كشباب غيورين على الوطن لا نريد للمواطن المصري الصالح أن يصاب باللخبطة بين كلام أصدقاء عبدالرحمن وكلام الحكومة..فالأفضل إذن أن نقضي على سبب الخلاف ونعدم عبدالرحمن موافي لنريح ونستريح!وأرجو ألاّ أسمع مجددًا إسطوانه"عبدالرحمن مش بلطجي دة طالب هندسة"..فبعد القبض على عبدالرحمن في أحداث وزارة الداخلية ,ومن قبله استشهاد محمد مصطفى طالب الهندسة في أحداث مجلس الوزراء ,ومن قبلهما القبض على المهندس خالد صلاح وطالب الهندسة أحمد علي في أحداث وزارة الدفاع ,تأكدتُ من صحة مقولة عادل إمام في فيلم عمارة يعقوبيان:"البلد دي مش عايزة مهندسين..عايزة صِيَّع"!


mercredi 1 février 2012

عشان ماليش في سبّ الأديان!أصل سبّ الدين حرام!

هل تعلم أن شتيمة"يا ابن ديك الكلب"ليست تحريفًا ل"يا ابن دين الكلب"وإنما هي ببساطة"يا ابن ذيكَ الكلب"؟!

إيه علاقة دة بموضوعنا؟لا شيء..فقط جت بالمناسبة عشان أنا قاعد طول الليل ماسك السبحة أم 99 حباية وعمال أقول"سب الدين حرام..سب الدين حرام"!

بعدين قمت واخد حبّاية مضاد الاكتئاب ونمت..وبرضه عمال أصحى كل شوية أقوم ماسك السبحة وأفكّر نفسي إن سب الدين حرام!

ما هو أصل اللي حصل البارح عيب وحرام ويهز عرش السماوات...مش كدة يا بديع مش طريقة دي..دة الواحد بيدعي ربه يثبت له العقل والدين وإنت حتخلي عقلنا يفلسع وكنت حتخليني أسب الدين يعني كنت حطلع من الملّة أصلاً!

والله العظيم تلاتة البارح عمّال أقرا على تويتر كلام لناس موثوق فيهم عن ناس كانوا بيلطموا في الشارع وبيعيطوا وبيستغفروا ربهم إنهم انتخبوا الإخوان!ناقص إيه؟نعمل لك مظاهرة بلابيص عند المقر الرئيسي؟أيوة عشان تبقى سبوبة وتقول:"شوفوا الليبراليين الكفرة بيمشوا بلابيص وبيسبوا الدين!"بس دة بعدك يا بدعدع!

تعالوا بقى نفكر بشويش أحسن بديع حيرفع لي الضغط:


-1-الإخوان أخدوا الأغلبية في البرلمان.
-2-البرلمان أغلبيته إخوان(عشان اللي بيفهموا من ورا..إحم..قصدي بالمقلوب يعني)
-3-البرلمان هو المؤسسة الشرعية الوحيدة المنتخبة في مصر.
-4-الثوار نزلوا البارح يطالبوا العسكر بتسليم السلطة للبرلمان.يعني نازلين يدعموا البرلمان عشان وهو بيتفاوض مع العسكر على تسليم السلطة يحس إنه مستقر ومسنود وضهره دفيان..لأنه لو ماكانش ضهره دفيان بالثوار فممكن ياخد لطشة برد في العضلة الخلفية..وطبعًا العسكر ما حيصدق وحيقول له:طب نام على بطنك أعمل لك مساج!
-5-البرلمان اللي أغلبيته إخوان(بنفكر تاني التكرار بيفيد الإخواني)
-6-الشرعية الرسمية للبرلمان-الشرعية الشعبية للميدان.
-7-الشعب مصدر السلطات.
-8-طيب تبقى المعادلة كالآتي:
(الثوار/الشعب/الشرعية الشعبية)--رايحين->ل(البرلمان المنتخب/الشرعية الرسمية)---بيطالبوه ياخد--->(السلطة اللي مصدرها الشعب)
 =(الثوار مع الشرعية)

-9-الإخوان بعتوا الميليشيا بتاعتهم تقطع الطريق لمجلس الشعب عشان توقّف الثوار..قال إيه عشان المتظاهرين دول فصيل ضد الشرعية عايزين يسقطوا البرلمان..والبرلمان أصله لسة في الشهر الأول والحمل مش مستكن!
-10-قبضايات الإخوان استعرضوا قوتهم وهددوا المظاهرة بالتلويح بالقوة(مع إن قطع الطريق ارتكاب للركن المادي من فعل الحرابة)(ملحوظة:الإخوان مسلمين على فكرة)
-11-حصل شد وجذب وضرب واعتداءات من قبضايات الإخوان على المتظاهرين السلميين ,وحصل خطف لمتظاهرين وتسليم لهم للداخلية..والإخوان اضطروا ينسحبوا لأن المتظاهرين بقوا بتاع 10000 والألتراس وصلوا ودة معناه إن كان حيتعمل على شباب الإخوان حفلة كانيباليزم(أكل لحوم بشر)
-12-عشان بس مفيش فلوطة-لامؤاخذة يا أستاذ صبحي-يطلع لنا:التظاهر حق مشروع-المرور في أي شارع غير مغلق رسميًا حق مشروع-مش من حق جهة غير رسمية منع المرور(دة الأمن المركزي سابهم يعدوا)-يبقى اللي يمنعني من المرور بيعتدي عليا وساعتها ليا حق الدفاع عن نفسي حتى لو ضربته لأنه مرتكب لفعل البلطجة وقطع الطريق!يبقى اللي حصل لشباب الإخوان هناك مجرد دفاع شرعي بريء عن النفس..هم إيه اللي خلاهم يقطعوا الطريق؟أنا راجل متظاهر سلمي..من حقي قانونًا أمشي في الشارع..انت ليه توقفني؟

طيب يعني الإخوان اعتدوا على الثوار..الثوار اللي نازلين يطالبوا بتسليم السلطة للبرلمان...البرلمان اللي أغلبيته إخوان..يعني رايحين يقولوا للإخوان"خدوا السلطة"!

طيب حيث إن مدام انشرح موبايلها مقفول وشكلها كدة اعتزلت نشاطها القديم وحتشتغل في قناة الناس..إحنا محتاجين متطوعة قوية الحنجرة سليمة الأنف واللحمية وتكون مُطّلعة على فنون تراث الاعتراض السكندري..


والإخوان يظهرلما اتقال لهم"خدوا السلطة"اتوجعوا من كلمة"خدوا"دي..طب كنتم قولوا"اتفضلوا"يا جدعان حتى وقعها على الأذن مالوش أي محامل سيئة!وانتو يا إخوان يعني زعلتم أوي من"خذوا"دي؟هي أول مرة تاخدوا؟ولسة ياما حتاخدوا..قصدي حتتفضلوا!

يعني البارح الخناقة كانت عشان شوية ثوار قلالات الأدب-أراذل على رأي السادات الله يرحمه-طالبوا البرلمان اللي أغلبيته إخوان ياخدوا السلطة قام الإخوان من فرط حبهم في الديموقراطية وزهدهم في الملك ضربوا الثوار دول... عَبوكم ع الصبح! أمال 80 سنة شغالين ..وهاريينا"وأعدوا"و"نحمل الخير لمصر"..وأمن الدولة يشدكم أيام المخلوع ,ووحيد حامد يكتب مسلسل"الجماعة"بالتعاون مع ورشة كتابة السيناريو في أمن الدولة ,وعادل إمام يهرينا خلط بينكم وبين السلفيين وبين الجهاديين...ومهدي عاكف يتحفنا إيشي طز في مصر وإيشي حنضرب المعارضين بالجزمة ,وصبحي صالح يطلع لنا بنظرية الفلوطة ,كل دة عشان لما نقول لكم خدوا-قصدي اتفضلوا-السلطة تغنوا لنا"لا والنبي يا عبده"!

ما عرفتكوش أنا كدة!!


طب ممكن تفسير؟عشان أنا قربت أوصل لآخر السبحة ال99 ولسة ببذل قصارى جهدي لإقناع نفسي إن سب الدين حرام! إيه خايفين تاخدوا السلطة ليه؟ تكونوش خايفين لما تاخدوا السلطة تبقوا في وش العسكر مباشرة وتدخلوا معاه في خلوة؟طب دي ع الأقل حتبقى خلوة شرعية بدل ما انتو ماشيين معاه عرفي..دة انتو وانتو ماشيين سوا سوا ناقصكم في المشهد الصخرة اللي ع البحر اللي مكتوب عليها"أترضاه لأمك؟!"! بعدين هو إحنا حنسيبكم لوحدكم مثلاً؟
ويا سيدي لو حاسّين إنكم مش قدّها وصلوا لنا الفكرة بشكل مؤدب..مش لازم ضرب وشرشحة وشغل النسوان الفولجير دة..كفاية تحطوا وشكم في الأرض وتقولوا"أخاف أن لا أقيم حدود الله"وإحنا حنفهم..

المشهد البارح كان سيريالي فشخ! خناقة بين فئتين..فئة عايزة تدي الفئة اللي بتضربها السلطة وفئة بتضرب الفئة اللي عايزة تديها السلطة...ماكانش ناقص غير وسط الخناقة يظهر عمرو أديب ويقول بصوت عالي"طب والمشير؟!"
فيصمت الجميع وتتجمد الصورة ثم يقولون كلهم بذهول:"إيه؟!" ويظهر أحمد شفيق وخلفه عبدان يقذفان البونبوني ويقول لعمرو أديب"انت فاكر انا بس اللي كدة؟"

فينفجر الكل في الضحك ويتبادل الثوار والإخوان القبلات"طرقعة-حنك-لحوسة-مشبك"ويتجهون جميعًا لإحراق كلا من وزارة الدفاع ومكتب المرشد في احتفال شعبي مهيب ويرسلون رسالة لعمرو مصطفى أن عليه حل هذا اللغز والبحث عن المؤامرة خلال 24 ساعة وإلا فإنهم حيطلعوا ميتين أمه!وانا اقترح تطليع ميتين أمه في كل الأحوال مناصفة مع توفيق عكاشة!