لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

samedi 19 mai 2012

من قضى نحبه..ومن ينتظر



 

بجوار كل منا في الشوارع والميادين شهيد محتمل لكننا للأسف لا نشعر بحبنا لهؤلاء الذين ارتقوا إلا بعد أن يتركونا، فجأة تعلم أن فلانًا قد رزقه الله الشهادة فتغزوك مشاعر الحب والألفة تجاهه وتتمنى لو كنت قد عرفته قبل موته والحقيقة أنه كان حيًا بجوارك وربما احتك كتفه بكتفك أو استندت إليه عندما سقطت بعد"شمة"غاز ثقيلة أو رآك يومًا مصابًا في الميدان فتبادلتما نظرة ضاحكة..تفتح صفحته على فيسبووك وتحاول أن تجد دلالة ما لآخر ستاتوس كتبه..قل لي..هل تشترك معي في القلق حول آخر ما تكتب قبل خروجك لمظاهرة مُهَدَدَة أو معركة ضارية فتستعد وتضع ستاتوس يناسب ما إذا لو لم يُكتَب لك الرجوع؟


تسير في جنازة الشهيد وتهتف "يا شهيد نام واتهنّى واستنانا على باب الجنة" فتخنقك دموعك وانت تتخيل أخاك أو صديقك مكانه، تغزو حلقك غصة وينقبض صدرك لفكرة أن تفقد عزيزًا عليك، تسترجع وجوه أقرب رفاقك إليك وتتسائل بمرارة"هل سنخرج من هذا كاملين؟"


تخرج للموقعة وتشعر بالموت يزوم حولكم..يرتفع عنكم ثم يباغتكم باختطاف واحد..اثنين..عشرة..تموت كل لحظة وأنت تسأل نفسك"من التالي؟" تبدأ في الشعور بالضعف وتكتشف كم أنك تحب المقربين إليك وفجأة تشعر أنك تكره ذلك..تكره كثرة من تحبهم..لأن كل منهم شهيد محتمل وألم محتمل في صدرك..كل منهم صورة بشريط أسود  أعلى زاويتها اليسرى..كل منهم جرافيتي مبكي على حائط شارع ما..تتمنى لو لم تكن تحبهم إلى هذا الحد..لو لم تعرفهم أصلاً..أحيانًا تتمنى لو أنك لا تكترث لأمرهم..

تحتمي برجاء من الله أن تسبقهم جميعًا..أن تكون أولهم لحاقًا بمن اختصهم الله بالشهادة...وبعد العودة من كل معركة  ينسحق شعورك بالفرحة لخروجكم جميعًا سالمين تحت ضيقك لنجاتك باعتبارها استمرارًا لعذابك ولسؤالك الممرور"وماذا عن المرة التالية؟"


تبدأ في كراهية النجاة...في الشعور أن الخروج سالمًا لعنة...تزدري الحياة حتى الجنون ويغزوك احتقار بغيض لذاتك..تحس أن نجاتك جريمة مشينة..لسان حالك يقول" أنا نجوت لأني لا استحق أن أكون من الشهداء لأنهم شجعان أقوياء أبطال وأنا جبان..أنا لست رجلاً.."

تغفل عن حقيقة أن ليست من إهانة للشهيد أكثر فظاظة من أن نعتبر أن استمرارنا على قيد الحياة يعني أننا حفنة من الجبناء أو أننا"مش رجالة"..فكل ثائر نجى من موقعة إنما هو شهيد محتمل لموقعة أخرى وكل شهيد ارتقى إنما كان ناجيًا محتملاً يوم استشهاده، وكان يومًا ما قبل الاستشهاد ناجيًا عائدًا لبيته بعد أن ودّع شهيدًا قبله، فأن تصف نفسك بالجبن وانعدام الرجولة لنجاة قدّرها الله لك هو اتهام ضمني لكل شهيد أنه كان يومًا قبل أن يرزقه الله الشهادة جبانًا عديم الرجولة وأنه لم يعرف الشجاعة إلا لحظة موته.


الله تعالى قالها فقُضِيَ الأمر "من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضَى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً" (الأحزاب:23)


كلنا رجال..كلنا شجعان..كلنا ننتظر..


لكن الله يختار من حين لآخر من يذهبون ليطمئنوا الشهداء أننا مستمرون..ويختار كذلك من يبقون لضمان الاستمرار لأن ببساطة نحن الثورة..لو متنا جميعًا لانتهت..فلا تضع الوقت في كراهية حياتك ولو كنت تشعر بالعجز عن حماية من مات فالأولى ألاّ تضيع الوقت في التحسر والندب لأن ذلك الوقت أولى به إنسانان: أحدهما قضى غدرًا وينتظر قصاصك له..والآخر لا يستحق أن يقضي غدرًا وعليك أن تحميه..وبالمناسبة..لا تسأل نفسك"لو قابلت الشهيد حقول له إيه"فصدقني هو على الجانب الآخر حيث الحقيقة المطلقة يعلم أكثر مما تعلم ولا يحتاج من يكذب عليه ..فقد اختصر باستشهاده كل المراحل بالغًا نقطة الانتصار!


dimanche 13 mai 2012

جزء ممسوح من شريط الثورة!

هذا المقال أكتبه تضامنًا مني مع معتقلي مجزرة العباسية 4 مايو 2012 التي دبّرها وأدارها ونفّذها المجلس العسكري بكل خسة وحقارة واستهتار بتحريم الله تعالى المساس بالنفس إلا بالحق..

شاب ينتمي للتيار السلفي وكانت تربطه علاقات بأناس لهم علاقات سابقة ببعض التنظيمات الدينية المسلحة.قبل ثورة 25 يناير 2011 بأسابيع تم اعتقاله بدون تهمة وإيداعه مقر أمن الدولة بالإسكندرية ثم جرى نقله وهو معصوب العينين لأحد مقار الجهاز بالقاهرة ,وهو لا يدري إلى أين ذهب..قضى نحو 36 يومًا في محبسه المظلم دون أن تُرفَع العصابة عن عينيه أو يخاطبه أحد ,ثم فجأة فُتِحَ الباب له ,أزيلت العصابة ,أعطاه أحدهم بضعة جنيهات وأمره بالعودة لمنزله..خرج من المقر مذهولاً ليزداد ذهوله بالمشهد الآتي..دبابات ومجنزرات في شوارع القاهرة ,عبارات معادية لمبارك تتدرج بين"إرحل"و"يسقط"وصولاً إلى أعتى السباب بذاءة مكتوبة على الجدران بل وفوق آليات الجيش..مدنيون مسلحون بالعصي والسيوف والأسلحة النارية ينظمون المرور ويستوقفون المارة لينظروا في أوراق هوياتهم..قادته قدماه على غير هدى لقرب النيل ليفاجأ بالمقر الرئيسي للحزب الوطني محترقًا..أخيرًا استجمع أنفاسه واسترد القدرة على النطق واستوقف أحد المارة ليسأله"ماذا جرى؟"دُهِش الرجل من السؤال ,التف الناس حول الشاب وهم يحسبونه أحد الهاربين من السجون ,نال منهم علقة ساخنة وأخيرًا سمحوا له أن يقص عليهم ما جرى ,ثم بعدها قصوا هم عليه ما فاته..يمكننا ببعض الخيال أن نعرف ماذا كان رد فعله..

المثير أن هذه القصة حقيقية..قصّها علي صديق وأخ مقرّب أثق جدًا به وبأمانة روايته..وقد وقعت لأحد معارفه!

                                                    ***

عندما تابعتُ أحداث مجزرة العباسية خلال الأيام الأربعة الأولى من مايو أصابتني-كأغلب رفاقي-أسوأ حالة اكتئاب مررت بها في حياتي..غصبًا عني تخيلتُ لو أن غيبة هذا الرجل بطل القصة سالفة الذكر قد طالت ولم يخرج سوى مساء الرابع من مايو ليفاجأ بأخبار عن شهداء برصاص الجيش وسيوف البلطجية ,عن معتقلين بالجملة يحاكَمون عسكريًا ,عن اقتحام مسجد النور بالسلاح والقبض على من فيه ,عن قصص تتسرب من خلف جدران سجون العسكر تحكي عن أعتى ألوان التعذيب..تخيل معي..هذا رجل لم يمر بمرحلة التقاط الصور المرحة مع الدبابة وهتاف"الجيش والشعب إيد واحدة"..لم يجرب شعور الطمأنينة وهو واقف في البرد في لجنة شعبية عندما يسمع صوت دورية الآليات العسكرية تقترب لتتفقد منطقته..لم تدمع عيناه وهو يرى اللواء محسن الفنجري يؤدي التحية العسكرية للشهداء..

هذا رجل محظوظ...التهم الجزء الفاسد العفن من الكعكة مرة واحدة ولَم يُصدَم به بعد أن خُدِعَ بالجزء الشهي منها..غاب عن الدنيا في عهد قذر ثم عاد ليستكمل نفس القذارة دون فاصل من الأمل الكاذب في إنصلاح الحال على مدًى قريب..

القصة بالنسبة له أكثر بساطة مما هي لدينا..مبارك لم يكتفي بكلابه في الداخلية فأطلق على الشعب كلابه من العسكر..أما ما سوى ذلك فلا يعنيه..

لمرة نادرة-لا أراها تتكرر-أرى أن بعض الجهل قد يكون نعمة ,فهذا المحظوظ ليس مضطرًا للبحث عن تفسير لاعتقال مجموعة من الشباب"زي الورد"بعد قتل مجموعة"زي الورد"مماثلة واتهام الجميع بالبلطجة ,ليس ملزمًا أن يشرح للآلاف أن ثمة فوارق يراها الأعمى بين مصطلحا"بلطجي"و"ثائر" ,هو لم ينفخ في القربة من الأساس ليكتشف أنها مثقوبة..لن يصيبه اليأس والإحباط لأنه أصلاً لم يسكر بنشوة نصر زائف على نظام تعامل مع الثورة بطريقة"إعمل نفسك ميّت"..كل ما عليه أن يستكمل ما بدأ قبل اعتقاله من محاولات لإسقاط النظام..

أنا أحسد هذا الرجل لأنه لا يجلس الآن في مكاني أمام الكمبيوتر ويحاول أن يقول جديدًا للدفاع عن سلسلة جديدة من أسرى الثوار لدى العسكر ,ليفاجأ بما يعرفه سلفًا:لا جديد..كل ما يمكن أن يقال قيل..الكلام سكت ولا يوجد في خلفية المشهد سوى صدى رصاصات وجدت مستقرها في رؤوس وصدور الشهداء ,ووقع بيادات ثقيلة على ضلوع أجساد سُحِلَت فوق دماء رفاقها لتُلقى في غيابات السجون..آهات إنسان ما في تلك اللحظة تهوي على جسده ضربات إنسان آخر لا لشيء إلا تصادُف أن الضارب أقدر على الأذى من المضروب..لو كان ما نعيش فيلمًا لكان هذا أكثر المشاهد الصامتة صخبًا..


الحقيقة أني لا أعرف كيف استكمل هذا المقال...ربما لعلمي أني لم أقل جديدًا..ولماذا أفعل؟هل جد جديد ليستدعي قولاً لم يقال؟ ما زال المصريون يعتقلون...ما زالوا يحاكَمون عسكريًا..ما زال السحل والقتل والتعذيب متوفرون لكل من فتح فمه..

لا جديد..ولا أجد ما أكمل به هذا المقال...أنا مؤمن بقضية إخواني المعتقلين..ولدي رغبة صادقة أن أكتب عنهم..لكني لا أجد ما أقول أكثر مما قيل ,فمن قمة المأساة أن نبحث عن طريقة جديدة مبتكرة نوصل بها للناس معلومة بسيطة مفادها أن"ظلم الإنسان للإنسان شيء بغيض" ,فمن لا يدرك تلك الحقيقة بنفسه فهو ببساطة حمار جر لا يستحق بذل الوقت في مخاطبته!