لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

mercredi 19 septembre 2012

أوافق على مسح جرافيتي الثورة!




"إمسح..وأنا حرسم تاني"
أصبحت هذه العبارة تلخيص العلاقة بين رسامي الجرافيتي والداخلية..كلما رسموا محت هي  رسومهم..وكلما محت أعادوا الرسم..
"كل ما تمسح حرسم تاني"

إصرار يمكننا أن نتفق أو نختلف معه لكنه يستحق الاحترام من فنان ما لا يهتم بوضع توقيعه أو اسمه بقدر ما يهتم بإثبات أن "الحكومة" وجوه تأتي وتذهب بينما الإنسان المصري يبقى ويستمر رسمًا على حائط بيد فنان لا يضايقه أن يكون مجهولاً ما دامت فكرته خالدة..
خلال حكم العسكر لم يكن غريبًا أن تحارب "الحكومة" الجرافيتي..ولكن..في عهد أول رئيس منتخب..يفجعنا مشهد سيارات الداخلية وهي تمحوا رسوم الجرافيتي من شارع محمد محمود..صور الاعتراض على حكم العسكر..صور رفض عودة الفلول..وحتى صور الشهداء..
طبعًا قامت قيامة الثوار..ولكن..أنا لي رأي مختلف معهم..
فأنا أوافق على محو كل جرافيتي الثورة من جدران شارع محمد محمود وكل الشوارع التي حفر الرصاص والخرطوش علاماته في جدرانها وسقت الدماء أسفلت أرضها..
أوافق شريطة أن تقوموا كذلك بمحو ذكرياتنا الأليمة عن أحباء اختطفهم الغدر من بيننا وآخرين اختُطِفَ النور من أعينهم، عن مرارة غدر أصحاب الأطماع بنا وطعنهم إيانا في الظهور بينما كُنا نُقتَل ونقدم أنفسنا قرابين حرية لم يكونوا لينالوا الكراسي لولاها..أوافق على محو كل صور الشهداء ولكن بالله عليكم فلتمحوا معها من ذاكرتنا كل ما جعلنا نعتبر أن كلمة "غدًا" هي من قبيل الترف المُبالَغ فيه..

في رواية "1984" للرائع جورج أورويل كان البطل يعمل في ظل حكم شمولي ديكتاتوري قمعي في مؤسسة إعلامية مهمتها إعادة تشكيل الرأي العام عن طريق "صناعة تاريخ" مشرف للمرضي عنهم وآخر مشين للمغضوب عليهم بل وأحيانًا محو وجود الشخص من التاريخ كله..والغريب أن الشعب كان يتجاوب تمامًا مع تلك اللعبة مسلمًا عقله وروحه وذكرياته لأيدي "صناع لتاريخ"..
لو أنكم تستطيعون أن تفعلوا المثل بنا ..فتفضلوا..ولكن فلتفعلوه ببراعة وإتقان..فلتمحوا كل ذكرياتنا الأليمة، كل لحظة خوف على صديق كان في شارع محمد محمود ولم يرد على مكالماتي وأنا أتصل به لأطمئن أن رصاصة ما لم تختطفه من حياتي..ذكريات أمي وهي تبكي سرًا وهي تعصر قميصي المضرج بدمائي بعد إصابتي في شارع مجلس الوزراء..ذكرى لحظة اختراق الخرطوش للعين اليسرى لصديقي بيد ضابط شرطة كان توًا قد نال الأمان من نفس الصديق! فلتمحوا مع الرسوم دموعًا ساخنة أحرقت قلب شاب من الألتراس بينما هو يكتب على جدار ما في الإسكندرية بعد مذبحة بورسعيد "غندور بطّل يشجع"..وصوت أم مكلومة أبكت رجالاً بشوارب وهي تصيح بلوعة "بيقتلوا الورد يا ولادي!"..هل تستطيعون أيضًا أن تسدونا خدمة جليلة بمحو الصعفة العاتية على كرامة كل منا وهو يرى صورة ست البنات تُسحَل وتعرى بينما أهل الدين يقولون "إيه اللي وداها هناك؟".. فلتعدوني أن تمحوا من ذاكرتنا أن كان يوجد يومًا ثائرًا اسمه مينا دانيال وطبيبًا مناضلاً اسمه علاء عبدالهادي وشيخًا وقورًا اسمه عماد عفت..وعندئذ لكم كامل موافقتنا أن تمحوا رسوم الجرافيتي من كل شبر في مصر..
ولكن بالله عليكم أجيبوا سؤالي: ماذا بينكم وبين صور الشهداء على الجدران لترغبوا في إزالتها من الوجود؟
لقد كنت أفهم غضب العسكر على تلك الرسوم لأنها لأناس ماتوا وهم يهتفون بسقوط حكمهم..فماذا يمسكم منها؟ آه..عفوًا..كيف غاب عني أنها تذكر الداخلية بأن هذه رسوم لوجوه أصحاب نفوس أزهقها رصاص من يُفتَرَض أنهم في خدمة الشعوب وأن في هذه الشوارع فقئت أعين بخرطوش "الباشا" الذي يستحق بجدارة أن يقال له "جدع يا باشا"..كيف غاب عني كذلك أنها تذكر أصحاب الكراسي بخذلانهم لنا بل ومشاركتهم المعنوية في القتل عندما أعطوا القاتل شرعية جريمته بتصريحاتهم أن "هؤلاء الذين في محمد محمود فوضويون مخربون يريدون إسقاط الشرعية وتدمير مكاسب الديموقراطية"..
هذه الرسوم إذن "جائت على الجرح"..
على أية حال أرجو أن تكونوا قد أجدتم اختيار الدهان الذي محوتم به الجرافيتي..فرسومه تلك لم تُرسَم بألوان عادية بل رسمتها قبل ذلك دماء الشهداء والجرحى ودموع أمهاتهم وأصدقاءهم..هذه أشياء لا تُمحَى بسهولة..
فلتمحوا إذن الرسوم مرة والثانية والعاشرة والألف..لا جدوى..فما تمحون إلا رسم قبل يُطبَع على الجدار فقد انطبعت معانيه في نفوسنا وفي أعمق نقطة بأرواحنا..سنبقى كلما مررنا في شارع محمد محمود-وكل شوارع الثورة-نرى بعيون ذاكرتنا وجوه الشهداء ونشم مزيجًا من رائحة الغاز والكمامات المبللة بالخل، ونسمع من بعيد صوت إطلاق الخرطوش، ونلمح من بين الضباب سائقي الموتوسيكلات يتحركون ذهابًا وإيابًا لحمل الجرحى..وقبل أن نغادر الشارع سنلمح من بين كل هذا الزحام علم مينا دانيال يلوح في الأفق..بالمناسبة..أنا لم أكن في شارع محمد محمود عند وقوع ملحمته..لكن صدقوني أنا أحس كل هذا كلما مررت حتى ولو من أمامه..فما بالكم بمن عاش أحداثه..يمكنكم إذن تخيل قوة ذلك الذي تحاولون محوه..فلتبذلوا جهدكم إذن..ولكن لتعلموا أنكم بهذا لا تزيدونا إلا إصرارًا على إعادة ما تحاولون محوه..
ستمحون وجوه الشهداء وقصصهم..ولكننا سنعاود رسمها بالألوان على الجدران..بالكلمات والألحان في أغاني الألتراس..بالحكايات الباسمة والدامعة في قصص الثوار..بالكلمات في كتابتنا وتدويناتنا عن تاريخ الثورة وحتى تغريداتنا على تويتر..بكل ما فينا من مرارات وغضب..فقط سيتغير أنكم ستضيفون أنفسكم لقوائم غضبنا..وستجدون لأنفسكم مكانًا في الجزء الأسود من مشاعرنا التي نترجمها رسومًا وحكيًا وغناءً..

أرونا إذن شطارتكم في محو كل هذا لو استطعتم..أنتم أردتم التحدي..ونحن قبلناه..

فلتكونوا إذن على بينة من القاعدة.."كل ما تمسح...حرسم أكتر!"




mardi 18 septembre 2012

عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية


عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية

اعترف أني قضيتُ عددًا لا بأس به من سنوات عمري اعتقد أن الثور يُستثار باللون الأحمر حتى قرأتُ ذات مرة أنه-الثور-مصاب بعمى الألوان وأنه يستثار فقط من اهتزاز قطعة القماش وصيحات الاستفزاز التي يطلقها مصارعه.نحن إذن أمام ما يمكن تسميته ب"الخداع المزدوج"..فالثور مستفز لسبب غير ذلك الذي يعتقده المشاهدون، وكلاهما لا يعرف ما يفكر فيه الآخر، بينما المتعة كلها للمصارع..ما يزيد الأمر متعة هو أن الثور غاضب من مجرد قطعة قماش وبعض الصيحات ولا يشعر بمساعدو المصارع الذين يهاجمونه من الخلف، هذا يضربه برمح، وهذا يشتت انتباهه، وفي النهاية لا يدري إلا وسيف المصارع مغروز في جسده المنهك بين صيحات استحسان الجمهور!

هل يرى القاريء العزيز معي تشابهًا بين هذا وما كنا فيه الأيام الماضية؟ كنا متنبهين لعدة قضايا:الثورة السورية، العلاقات الخارجية المصرية، بناء الدولة من الداخل، الانتخابات الأمريكية، الدستور المصري القادم، المعتقلين عسكريًا، احتجاجات القطاع التعليمي طلبة ومعلمين وإداريين، عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات، عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، قضية الرئيس السابق لأمن الدولة حسن عبدالرحمن واتهامه باتلاف المستندات، وغيرها..
فجأة لوّح لنا أحدهم بالفيلم المسيء فتملّكنا طبع الثيران-ضخامة وكثرة وقوة بلا عقل-واندفعنا مشهرين قروننا ومطيحين بحوافرنا بكل ما حولنا..

"سقوط 92 شهيدًا في سوريا برصاص قوات الأسد"

"إخلاء سبيل اللواء حسن عبدالرحمن الرئيس السابق لجهاز أمن الدولة"

"فضيحة في كلية الحقوق بالإسكندرية..الطلبة يعثرون على التظلمات التي قدموها لإدارة الكلية ملقاة في صناديق القمامة"

"اختراق إسرائيلي لأجواء قطاع غزة وتوغل بري لبعض الدبابات الإسرائيلية في القطاع"

"المرشح الجمهوري رومني يؤكد أن على أمريكا أن تكون أكثر حزمًا مع مصر ويهدد بقطع المعونة"

"عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات كالإسكندرية والأقصر وشمال سيناء"

ما هذا؟ لا تزعج الثور يا رجل فهو مستمتع بإظهار غضبه واستعراض رجولته أمام الجمهور..طبعًا الجمهور لا يعرف بشأن الفيلم، يعرف فقط أن كل هذا بدأ يوم 11 سبتمبر 2012 أي في الذكرى الحادية عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001..الثور إذن ليس غاضبًا بل هو يحتفل..بم يحتفل؟ بذكرى أسوأ حادثة شهدتها أمريكا؟ حسنًا..إليكم الأنباء السارة..بعض الملايين من الأمريكيين المتابعين للمباراة قد بدأوا مراجعة أنفسهم بين رومني الجمهوري المتطرف وأوباما الديموقراطي اللين..تلك المراجعة التي يعلم الله وحده كيف يمكن أن تنتهي..هل يمكنك أن تلوم من شاهد سفيره يُقتَل وسفاراته تُهاجَم على انتخاب من يتوعد هؤلاء "الهمج المتعصبين" بأن يعلمهم الأدب؟

والثور ما زال يمرح هنا وهناك..لا بد أن بشار الأسد يرقص طربًا الآن، فالثور يقدم فقرة ممتعة تبدو أكثر تسلية للجمهور من مذابح سوريا التي بدأت تسبب لهم "الضجر"..نتنياهو أيضًا منتشي وهو يتابع نشاط قواته في غزة..ماذا عن فلول النظام السابق؟ لا بد لهم من نصيب من المرح..فليمرح الجميع...فبيت الثور نهب مباح والدار أمان طالما أنه يقدم رقصته رافعًا قرنيه بفخر ونشوة!
مصارعة الثيران السياسية كذلك كوميدية بشكل أسطوري، من شاهدوا فيديوهات للاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين في محيط السفارة الأمريكية في القاهرة يمكنهم إدراك مستوى العاطفة الدينية الحارة عند متظاهر يسب الدين للضباط والجنود ثم يتبعها ب"إلا رسول الله يا ولاد كذا"! معذور..فإذا كان شيخًا جليلًا شهيرًا قد أطل علينا برسالة مصورة تفاخر فيها أننا عفيفو اللسان ثم أتبعها بسبة شديدة البذاءة للموجهة إليهم رسالته! والثور المصري لم يتفوق في المرح على شقيقه السوداني الذي يستحق جائزة الابتكار لأنه اكتشف أن السفارة الأمريكية في بلاده تبعد مسافة طويلة عن المسجد فقرر إحراق السفارة الألمانية الأقرب إليه، هذا فضلاً عن الثور اللبناني الذي لم يعرف مكان السفارة فأحرق مطعم دجاج كنتاكي..بحق الله كم هي مرحة هذه الحياة!
ولكن لا بد للمرح من نهاية..فسرعان ما ينغرس سيف المصارع في عنق الثور ومعه شعور بعدم التصديق، يحاول الثور المترنح تعبًا وغدرًا أن ينتصب على قوائمه، أن يضرب المصارع بقرونه-ولكنه يكتشف أن قوائمه قد حطمها الدوران حول "القماشة الحمراء" وأن قرنيه لم يُجعلا للطعن والضرب بل للرفع باعتبار أن رفع القرون علامة الرضا..يحاول حتى أن يطلق خوارًا أخيرًا..لكنه لا يدري بنفسه إلا وهو يتمرغ في التراب المعجون بدمه بين صيحات تحية الجمهور للمصارع المنتصر..وقبل حتى أن يلفظ النفس الأخير يشعر بسكاكين مساعدو المصارع تمزق جسده وتتقاسمه وسط تنبيهات هذا الأخير أن يتركوا له الرأس والكبد والأفخاذ..فللمصارع نصيب الأسد وللمساعد نصيب الضبع..هكذا تقتضي القسمة..
وقبل أن يغمضهما للأبد تقع عينا الثور على سحابات دخان في الأفق تخرج من بيت دكته غارة إسرائيلية، وموظفًا يشعل النار في نفسه أمام قصر الرئاسة المصري لعجزه عن توفير مصاريف المدارس لأولاده، وأمًا سورية تعطي رضيعها الشعيد العناق الأخير..ويسمع من بعيد صوتًا معدنيًا فخورًا يهتف وسط هتافات حشد فرح "مستر ميت رومني..الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية!"
(تم)