لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

mardi 18 septembre 2012

عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية


عندما لعب المسلمون دور الثور في مصارعة الثيران السياسية

اعترف أني قضيتُ عددًا لا بأس به من سنوات عمري اعتقد أن الثور يُستثار باللون الأحمر حتى قرأتُ ذات مرة أنه-الثور-مصاب بعمى الألوان وأنه يستثار فقط من اهتزاز قطعة القماش وصيحات الاستفزاز التي يطلقها مصارعه.نحن إذن أمام ما يمكن تسميته ب"الخداع المزدوج"..فالثور مستفز لسبب غير ذلك الذي يعتقده المشاهدون، وكلاهما لا يعرف ما يفكر فيه الآخر، بينما المتعة كلها للمصارع..ما يزيد الأمر متعة هو أن الثور غاضب من مجرد قطعة قماش وبعض الصيحات ولا يشعر بمساعدو المصارع الذين يهاجمونه من الخلف، هذا يضربه برمح، وهذا يشتت انتباهه، وفي النهاية لا يدري إلا وسيف المصارع مغروز في جسده المنهك بين صيحات استحسان الجمهور!

هل يرى القاريء العزيز معي تشابهًا بين هذا وما كنا فيه الأيام الماضية؟ كنا متنبهين لعدة قضايا:الثورة السورية، العلاقات الخارجية المصرية، بناء الدولة من الداخل، الانتخابات الأمريكية، الدستور المصري القادم، المعتقلين عسكريًا، احتجاجات القطاع التعليمي طلبة ومعلمين وإداريين، عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات، عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، قضية الرئيس السابق لأمن الدولة حسن عبدالرحمن واتهامه باتلاف المستندات، وغيرها..
فجأة لوّح لنا أحدهم بالفيلم المسيء فتملّكنا طبع الثيران-ضخامة وكثرة وقوة بلا عقل-واندفعنا مشهرين قروننا ومطيحين بحوافرنا بكل ما حولنا..

"سقوط 92 شهيدًا في سوريا برصاص قوات الأسد"

"إخلاء سبيل اللواء حسن عبدالرحمن الرئيس السابق لجهاز أمن الدولة"

"فضيحة في كلية الحقوق بالإسكندرية..الطلبة يعثرون على التظلمات التي قدموها لإدارة الكلية ملقاة في صناديق القمامة"

"اختراق إسرائيلي لأجواء قطاع غزة وتوغل بري لبعض الدبابات الإسرائيلية في القطاع"

"المرشح الجمهوري رومني يؤكد أن على أمريكا أن تكون أكثر حزمًا مع مصر ويهدد بقطع المعونة"

"عودة أزمة الوقود لبعض المحافظات كالإسكندرية والأقصر وشمال سيناء"

ما هذا؟ لا تزعج الثور يا رجل فهو مستمتع بإظهار غضبه واستعراض رجولته أمام الجمهور..طبعًا الجمهور لا يعرف بشأن الفيلم، يعرف فقط أن كل هذا بدأ يوم 11 سبتمبر 2012 أي في الذكرى الحادية عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001..الثور إذن ليس غاضبًا بل هو يحتفل..بم يحتفل؟ بذكرى أسوأ حادثة شهدتها أمريكا؟ حسنًا..إليكم الأنباء السارة..بعض الملايين من الأمريكيين المتابعين للمباراة قد بدأوا مراجعة أنفسهم بين رومني الجمهوري المتطرف وأوباما الديموقراطي اللين..تلك المراجعة التي يعلم الله وحده كيف يمكن أن تنتهي..هل يمكنك أن تلوم من شاهد سفيره يُقتَل وسفاراته تُهاجَم على انتخاب من يتوعد هؤلاء "الهمج المتعصبين" بأن يعلمهم الأدب؟

والثور ما زال يمرح هنا وهناك..لا بد أن بشار الأسد يرقص طربًا الآن، فالثور يقدم فقرة ممتعة تبدو أكثر تسلية للجمهور من مذابح سوريا التي بدأت تسبب لهم "الضجر"..نتنياهو أيضًا منتشي وهو يتابع نشاط قواته في غزة..ماذا عن فلول النظام السابق؟ لا بد لهم من نصيب من المرح..فليمرح الجميع...فبيت الثور نهب مباح والدار أمان طالما أنه يقدم رقصته رافعًا قرنيه بفخر ونشوة!
مصارعة الثيران السياسية كذلك كوميدية بشكل أسطوري، من شاهدوا فيديوهات للاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين في محيط السفارة الأمريكية في القاهرة يمكنهم إدراك مستوى العاطفة الدينية الحارة عند متظاهر يسب الدين للضباط والجنود ثم يتبعها ب"إلا رسول الله يا ولاد كذا"! معذور..فإذا كان شيخًا جليلًا شهيرًا قد أطل علينا برسالة مصورة تفاخر فيها أننا عفيفو اللسان ثم أتبعها بسبة شديدة البذاءة للموجهة إليهم رسالته! والثور المصري لم يتفوق في المرح على شقيقه السوداني الذي يستحق جائزة الابتكار لأنه اكتشف أن السفارة الأمريكية في بلاده تبعد مسافة طويلة عن المسجد فقرر إحراق السفارة الألمانية الأقرب إليه، هذا فضلاً عن الثور اللبناني الذي لم يعرف مكان السفارة فأحرق مطعم دجاج كنتاكي..بحق الله كم هي مرحة هذه الحياة!
ولكن لا بد للمرح من نهاية..فسرعان ما ينغرس سيف المصارع في عنق الثور ومعه شعور بعدم التصديق، يحاول الثور المترنح تعبًا وغدرًا أن ينتصب على قوائمه، أن يضرب المصارع بقرونه-ولكنه يكتشف أن قوائمه قد حطمها الدوران حول "القماشة الحمراء" وأن قرنيه لم يُجعلا للطعن والضرب بل للرفع باعتبار أن رفع القرون علامة الرضا..يحاول حتى أن يطلق خوارًا أخيرًا..لكنه لا يدري بنفسه إلا وهو يتمرغ في التراب المعجون بدمه بين صيحات تحية الجمهور للمصارع المنتصر..وقبل حتى أن يلفظ النفس الأخير يشعر بسكاكين مساعدو المصارع تمزق جسده وتتقاسمه وسط تنبيهات هذا الأخير أن يتركوا له الرأس والكبد والأفخاذ..فللمصارع نصيب الأسد وللمساعد نصيب الضبع..هكذا تقتضي القسمة..
وقبل أن يغمضهما للأبد تقع عينا الثور على سحابات دخان في الأفق تخرج من بيت دكته غارة إسرائيلية، وموظفًا يشعل النار في نفسه أمام قصر الرئاسة المصري لعجزه عن توفير مصاريف المدارس لأولاده، وأمًا سورية تعطي رضيعها الشعيد العناق الأخير..ويسمع من بعيد صوتًا معدنيًا فخورًا يهتف وسط هتافات حشد فرح "مستر ميت رومني..الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية!"
(تم)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire