لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

lundi 29 octobre 2012

وحشة الطريق


وحدي على المقهى أدخن أرجيلتي بنكهة اكتئابي الثقيلة.. قام عني الأصحاب انشغالا وغاب الآخرون تضجرٍا وتفرغتُ لمحاورة دخاني محاولاً إيجاد عمقًا عبثيًا ما لملامح سحاباته.. أضيف نوعًا جديدًا لبراءات اختراعات قراءة البقايا.. بقايا البن في القدح.. بقايا الخطوات على الرمال.. بقايا الأضاحي في أكبادها المشقوقة..

 لا أفهم ولع الإنسان بآثار من وما يغيب مقارنة بزهده به حين كان موجودًا يشغل مساحته من العالم.. حتى وجوه البشر تجد طريقها أسهل لقلوبنا حين يوضع عليها الشريط الأسود في الركن الأيسر من أعلى الصور.. نرى الحي ميتًا في عيون مشاعرنا حتى إذا مات بعثناه حيًا بالدموع كأنما كان شقيق الروح وربما احتك كتفه قبل أن يرحل بأكتافنا فلم نعره انتباهًا.. الحب فينا رجعي الأثر والبغض والتضجر حالّا الوقوع..

 نسير في الدنيا وقد حمّلنا بعضنا البعض صلبان النسيان في طرق الآلام حتى إذا ما بلغ أحدنا قمة الجبل ورُفع على صليبه تباكينا عليه وهششنا عن رأسه الطير وضممناه لأيقونات القدّيسين وانهلنا نتمسح به تبركًا بنفس أيدينا التي ضفّرنانا له بها تيجان الشوك .. ثم هبطنا عن الجبل نجتاح بعضنا بعضًا بالتناسي والتجاهل ثم نعود كرةً ثانية كل حين، نبكي على أطلال أنفسٍ قتلناها هجرًا كهجر المؤمنين دور من أهلكتهم الصيحة أو أشد هجرًا..


نقرأ لأنفسنا آيات الوعد ونجلد غيرنا بآيات الوعيد.. يشيّد كل منا بلاط مُلكٍ مختصر في مساحته من الدنيا ويحيط نفسه بشعراء المدح ومهرجي السلطان وقد وقف على باب رحمتنا السياف مستلاً العُزلة يهوي بها على من قضينا وطرًا من صحبته أو تشائمنا من طلعته...

نجبر أناسًا لم يتحرروا من فطرة الإنس في طلب الاُنس أن يترهبنوا عن دفء صحبتنا..أديرتهم الوحدة وصوامعهم الوحشة وصلواتهم استجداء كسرة حبٍ وشربة اهتمام يتزودون بها منا للسفر الطويل..نبخل بهما عليهم فيشقوا بطونهم عمّا تبقى فيها من سابق وصلنا فيصنعون منها ولائمًا وسُرُجًا تضيء وحشة طرقهم ويحمدوننا صدقًا وحبًا لجودنا العظيم..ثم يمضون ضنًا بثقلهم على نفوسنا..

رضي الله عن عليّ فحقًا قال:"آه من بُعد السفر.. وقلة الزاد ..ووحشة الطريق"

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire