لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

jeudi 27 juin 2013

الخطاب الرخيص لسيادة الرئيس


"تمخض الجبل فولد فأرًا" هكذا تعليقي على خطاب د.مرسي بالأمس.. ولا أقصد تشبيهه بالجبل، ولكن الخطاب يستحق بالتأكيد التشبيه بالفأر..
المفترض من أي خطاب رسمي مسئول بمناسبة أحداث شديدة الخطورة وظروف عالية الحساسية كالتي تعيشها مصر أن يقدم لنا "جديدًا" وهذا الجديد عليه أن يمثل حلاً للأزمة أو على الأقل تبريدًا لبعض جبهاتها.. فماذا حمل لنا خطاب الرئيس؟

كان هناك الكثير من ال"في غلطات بس بنعمل كذا.." و"إحنا حققنا تقدم..هو مش كفاية بس أصل..إلخ" مع بعضًا من الشفافية في الكشف عن حقائق مثيرة كأن الرئيس عنده "تليفون كدة الناس بيطلبوني عليه" أو كأن باسم عودة وزير التموين "بينط على عربيات الأنابيب في الشارع"..
وجاءت فقرة المقارنات لتمثل تطبيقًا للمثل الشعبي "روح يا ناكر خيري شوف زماني من زمان غيري" من خلال الحديث عن الدين الخارجي والعدالة الاجتماعية.. وكباحث في التاريخ أصابني الذهول لأن د.مرسي واتته ال.. فلنقل الشجاعة ليقارن عصره بعصر عبدالناصر من حيث الحديث عن الاقتصاد!
وعن المشكلات الحياتية كالبنزين والأمن تحدث مرسي فقال أنه "لازم أعرف مين أخد إيه وإداه لمين"(يا نهار إسود!) و"مين بيعمل الحاجات دي في الولاد الصغيرين" (أحّيه!!) وهو الامتداد المعتاد لأحاديثه السابقة عن الأصابع والحمامة والصباعين تلاتة اللي بيلعبوا في مصر..

أما قنبلة العرض فكانت وصلة الأسماء التي أتحفنا بها سيادة الرئيس.. لو أننا في دولة تحترم نفسها لباع هذا الرجل ما وراءه وما أمامه ليسدد أتعاب المحامين المكلفين بالدفاع عنه في قضايا السب والقذف التي ستقام ضده! مكرم محمد أحمد.. أحمد شفيق.. أحمد بهجت.. محمد الأمين.. بشكل شخصي أنا بالتأكيد غير متعاطف مع أي من هؤلاء لكن بشكل قانوني لدي مشكلة حقيقية في أن يوزع رئيس الجمهورية الاتهامات لشخصيات بعينها بغير حكم محكمة! طبعًا شفيق استثناء باعتبار أنه بالفعل هارب من المسائلة القضائية.. لكن ماذا عن الباقون؟ هل قلت لكم أنه تخطى حاجز الأحياء فذكر الأموات؟ آه والله.. وقص علينا قصة لطيفة عن كمال الشاذلي الذي قال له "السياسة نجاسة".. أي نعم.. لقد عشنا لنرى رئيس جمهورية مصر العربية يقف على المنصة أمام الملايين ليقول "السياسة نجاسة".. وإنني كنت أضع يدي على قلبي متضرعًا لله ألّا يسترسل مرسي في الأمر فيستطرد :"والضخامة فخامة.. والصياعة أدب مش هز...إحم.. كتاف".. مما كان سيقودنا في نهاية الخطاب لمرحلة "الشرمطة مرمطة والعلوقية مسئولية!"
بالتأكيد لم تفت د.مرسي لفتة أن يشعرنا أنه "ابن سوق ومرقع" فحدثنا عن "فودة" "وعاشور" الذان يؤجران البلطجية.. والولد الذي يتلقى عشرون جنيهًا "عشان يشد سكينة الكهرباء".. ولو تُرِكَ له العنان فإني أؤكد أنه كان كفيلًا بسرد قائمة أسماء "الديلرز" في حارة اليهود والديزيت وشارع القاهرة..



وفي نهاية الخطاب قام السيد الرئيس بتقديم وصلة مغازلة للمؤسسات التي يشعر رجل الشارع أن الشيطان دخل بينها وبين الرئاسة.. كالقضاء والداخلية والجيش.. بل وتفتقت قريحة سيادته عن إجراء فذ غير مسبوق هو أن يكلف وزارة الداخلية بإنشاء وحدة مهمتها مكافحة البلطجة والجريمة.. آه والله.. هذا على أساس أن أحدهم أقنع سيادته قبل ترشحه للرئاسة أن مهمة وزارة الداخلية تقتصر على تنظيم حج القرعة وإصدار تراخيص التكاتك! قرار رئاسي بتكليف الداخلية بمكافحة الجريمة؟ يا ابن الإيه يا لذينَ!

وما لفت نظري هو تكرار مرسي عبارة "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" بشكل متتالي وبحالة من "الحُرقة" ذكرتني بمشهد المرحوم علاء ولي الدين في فيلم "النوم في العسل" وهو يقف أمام المرآة مرددًا "أنا جامد..أنا مية مية..أنا زي الفل".. طيب يا حبيبي... عارفين والله إن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو بابا وماما وأنور وجدي لجميع مؤسسات الدولة.. وبعدين؟ هذا المشهد ذكرني بالعبارة الخالدة على ظهر كتاب اللغة العربية للصف الأول الثانوي "صوتك العالي دليل ضعف موقفك" .. وتكرار العبارة لا يشير إلا لأن أحدهم في الجيش "زعّله" فأثر هذا في نفسيته وأوصاه الطبيب بترديد "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" على سبيل رفع روحه المعنوية بعد الفاجعة!

وطبعًا إمعانًا في رخص الموقف لم ينسى الرجل الحديث عن المؤامرات والدسائس والذين يحقدون على مصر التي هي على حد قوله "بلد كبيرة إحنا".. آه..هل ذكرت أنه ضمّن حديثه كلامًا من نوعية "الجسد المصري العظيم" و"مصر واسعة وكبيرة"؟ طبعًا أعقب الحديث عن المؤامرات تهديدًا ووعيدًا بلهجة يمكن لأي قاريء بسيط في علم النفس أن يؤكد أنها صادرة عن رجل يدرك أنه لا يستطيع شيئًا! اللهجة بدت كرتونية على غرار "سأهزمك وأريك قوة بلبلي" أكثر من كونها صادرة عن رئيس دولة له صلاحيات..


الخلاصة أننا كنا أمام مشهد ذكرني برواية "السائرون نيامًا" للراحل سعد مكاوي.. والتي كان من أشخاصها سلطان ضعيف اسمه يلباي وضعه "خير بك الدوادار"-السلطان الفعلي للبلاد-على العرش وحكم من وراءه (خير وخيرت..شوف يا أخي الصدف).. وكان يلباي خائبًا حتى أن في رحلات الصيد كان العبيد هم من يغرسون له السهام في أجساد الطرائد ويمرون بها في موكب العودة أمام الجماهير.. وفي الفراش لم يكن حاله بأفضل مما جعله يجد العلاج في أن يستحضر مجموعة من المساجين ويطلب منهم السجود له ثم ينهال عليهم بالسيف والسباب ويلتفت للأمراء الذين يعرفون حقيقته صارخًا: "أنا سبع هذا البر يا ولاد الكلب!"

من الآخر إذن.. هذا خطاب يائس بائس من رجل أدرك أنه أصغر من كرسيه وأقل من مكانة منصبه وأتفه مما يوحي به شأنه! باختصار هو خطاب رخيص لا يليق برئيس جمهورية مصر العربية.. لكنه بالتأكيد يليق بمحمد مرسي العياط!







mardi 16 avril 2013

أستاذ نائل الطوخي.. إن لم تسترجل فافعل ما شئت!

منذ يومين تقريبًا تعرضت صديقة وأخت عزيزة، وهي في نفس الوقت خطيبة أقرب أخ وصديق لي، لمحاولة تحرش في الشارع انتهت بمشاجرة في قسم الرمل، قامت بذكر تفاصيلها هنا 


طبعًا الموقف هو تجسيد للمستوى الكارثي الذي بلغه مجتمعنا من عقد نفسية واستباحة لممارسة التعريص الأخلاقي على أكثر الجرائم حيوانية.. يمكنني أن أقرأ النفسيات المعتلة والعقليات المختلة التي تحاملت على فتاة هي مجني عليها في جريمة مخجلة.. أرى بينهم من رآها تستحق ذلك وأكثر لأنها ليست محجبة ولا منقبة وبالتالي فإن مجرد نزولا الشارع يعني أنها "هي عايزة كدة بس عاملة مصدومة ومؤدبة" ، آخر ينظر لها ولأي شخص ذو مظهر حسن يبدو من الطبقة الوسطى الميسورة باعتبار أنه من "ولاد الكلب اللي عايشين فوق ودايسين علينا ياكش يولعوا بجاز وسخ كلهم" إلى آخر هذا الصديد النفسي والانهيار لكلمة رجولة.. لا أدري لماذا حين قرأتُ كلام ندى عن موقف هؤلاء الأشاوس معها تذكرتُ السؤال المُر للراحل نجيب سرور"اللحس ليه انتشر؟"


كل هذا متوقع ومعروف في المجتمع الذي انتشر فيه منطق "إيه اللي وداها هناك"، لكن أن أفاجأ بكاتب شاب المفروض أنه مثقف ومحترم(وهكذا كانت فكرتي عنه بالفعل)يقوم بعمل share لما كتبت الفتاة ساخرًا منها ملمحًا أنها مجرد "فتاة فاضية تريد أن تتحدث عن صديق بابا اللواء المهم الذي جعل المخبرون يضربون المتحرش الغلبان" فضلاً عن رأيه في أنها تبالغ في رد فعلها فالفتى لم يفعل سوى أن "شدها من ذراعها"..

سيداتي آنساتي سادتي نحن أمام ظاهرة فريدة "فظة" من نوعها! هناك رجل.. ذكر.. كائن بشري.. له عينين وعقل وإدراك ويفترض أنه تجاوز سن الرُشد وأن نموه العقلي على ما يرام .. اسمه نائل الطوخي... قرأ عن واقعة جذب شاب لفتاة من ذراعها بعنف في الطريق العام في وضح النهار ثم رجال بشوارب شهدوا زورًا ضدها وضابط شرطة همام سبّها وهددها بالحبس من منطلق أنه لم يرى في جذب ذراعها ما يستحق أن يهز أردافه عن مقعده المريح ويحقق في الأمر..  فلم يلاحظ هذا القاريء ما يستحق الانفعال هنا سوى أن المتحرش شاب غلبان وأن المجني عليها "فاضية لا تستحق التعاطف" لأن لديها "اللواء صاحب بابا" الذي ساعدها لأخذ حقها..

 نحن هنا أمام قانون جديد للإنسانية والأخلاق والرجولة في وطننا السعيد قام باكتشافه العلامة نائل الطوخي :

 فتاة + تحرش + ما عنديش واسطة = تعاطف من القلب
             فتاة +تحرش + عندي واسطة = ياللا يا بت يا فاضية من هنا

وفي هذا القانون الرائع نكتشف أن التحرش ليس عنصرًا رئيسيًا في المعادلة بل أن الواسطة هي العنصر الأهم.. مما يجعلني أسأل السيد نائل سؤالاً بريئًا: هل أنت واثق أن الكتابة هي مهنتك الوحيدة؟

طيب هل تربطك بالمتحرش صداقة ما فنفسر موقفك أنك تؤدي له أحد الحقوق الثلاث للصاحب عند صاحبه؟

قد كان يمكنني أن أتفهم وأتقبل أن تتجاهل ما قامت الفتاة بكتابته.. لكن أن ترفعه على صفحتك ساخرًا منها ومطلقًا العنان لمن هب ودب للاستهزاء بل وتوجيه السباب لها على واقعة أنت لم تشهدها ولا تعرف بطلتها بشكل شخصي لتقرر أن تطعن أخلاقها؟ لابد أنك قضيت بعدها أروع لحظات حياتك بينما تنفث سيجارتك وتحتسي قهوتك على أحد مقاهي المثقفين بوسط البلد وأنت تشعر بالرضا عن نفسك لتفانيك في الدفاع عن المتحرشين الغلابة ضد الكائنات البرجوازية العفنة التي تترفع عن أن يجذبها فتى غلبان من ذراعها.. يا لها من وقحة عديمة الرحمة!

إن السيد نائل الطوخي قد قدم لنا اكتشافًا-لا أجروء أن أقول "إنسانيًا"-جديدًا.. فلطالما تعثرت في شتى أنواع المثقفين: سليط اللسان، المنافق، الباحث عن السبوبة، المنحل، المتقعر، لكن نموذج المثقف ال.. إحم.. فلنقل "لارج" هذا نوع جديد اقترح حال صدق شائعة تأجير آثارنا لقطر أن نرسله إليها..هناك من يحب هذه الأشياء ويجد لها استخدامات خاصة.. 


الله يرحمك يا أحمد يا زكي:"ويلٌ للعالم إذا ما انحرف المتعلمون وتبهبظ المثقفون".. لماذا تبهبظت يا أستاذ نائل؟ قد كنا نرى لك عقلاً وخلقًا وندخرك لغير ذلك!طيب على الأقل تعطف علينا بشرح شعور البهبظة لعلنا قد فوّتنا لذة عظمى بجهلنا!


بالمناسبة.. قام الأستاذ المحترم بمسح الpost الذي سخر فيه من صديقتنا بعد أن بدأت التعليقات المضادة لهواه تنهال عليه.. وقد كان من الممكن أن افترض حسن نيته وأنه عرف غلطه لو كان قد كلف خاطره الاعتذار لها عن حفلة التطاول العلني التي نظمها.. ولكن للأسف انهار الأمل الأخير في وجود بقايا أخلاق حين تلخص موقفه في أنه "جاب ورا" كأي-إحم مرة أخرى- "لارج" يحترم نفسه!

أستاذ نائل الطوخي.. اسمح لي أن أعدل المثل الشهير فأقول "إن لم تسترجل فافعل ما شئت" فهذه الصيغة أكثر ملائمة لعصرنا الرائع الذي اكتفينا منه قبل أن يبدأ!

استرجلوا يرحمكم الله!

mercredi 23 janvier 2013

عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء


عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء

أغلبنا يعرف قصة صنما "إساف ونائلة".. تقول الأسطورة أنهما كانا رجلًا وإمرأة إلتقيا في مكة وتوجها إلى حَرَم الكعبة ففَجر أحدهما بالآخر فمسخهما الله حجرين فعبدهما كفار قريش..

لا أعرف مدى صحة هذه الأسطورة ولكني مررتُ أخيرًا بموقف تمنيت معه أن يكون المسخ حجرًا عقابًا سريعًا مباشرة وعلنيًا لمن يفجر في أي حرم مقدس-وليس حرم الكعبة الشريفة فحسب-بالذات لو كان حرم القضاء..

فمنذ أيام اندلعت اشتباكات عنيفة بمحيط المحكمة الابتدائية بالإسكندرية استمرت لمدى يومين.شهود العيان يُجمِعون أن الأمن في  المرتين كان الباديء، إذ قام في اليوم الأول-ولغير مبرر منطقي-بالاعتداء بالضرب على أهالي شهداء الثورة السكندريين الذين كانوا قد تجمعوا عند المحكمة أثناء نظر قضية أبناءهم.فور وقوع الاعتداء تناقل الثوار الخبر وتوجهوا للمنطقة للدفاع عن المُعتَدَى عليهم.ومما شهدتُ بنفسي أثناء تواجدي هناك أستطيع أن أجزم بكل ثقة أن الداخلية كانت "راضية" عن هذه الاشتباكات، وهو أمر يستطيع أي متابع مدقق للمصادمات مع الأمن المركزي أن يدركه من خلال مدى جدية الأمن في تفريق التجمع ومنع تشكّله ثانية، فضلاً عن أن في تلك الحالة كان يكفي من الأمن الانسحاب لمواقعه لتتوقف المعركة ولكنه كان يمارس الكر والفر بغير مبرر أو حاجة..
أما اليوم الثاني فقد شهد تنحي القاضي عن نظر القضية-وهو إجراء قانوني يحق له اتخاذه حال استشعاره الحرج-ولكن الصدام بدأ فورًا بعدها بسبب قيام جنود الأمن المركزي بضرب بعض المحاميات بذريعة أن "مشاجرة" جرت بين محامو المتهمين ومحامو أهالي الشهداء، وهو مما يرد حدوثه ولا يحتاج إلا لتدخل أمن المحكمة بشكل غير بدني في أسوأ الأحوال! وبدا واضحًا كاليوم السابق أن الأمن "يريد خناقة"!
وتكررت نفس مشاهد اليوم التالي ولكن بشكل أكثر عنفًا، وهذه المرة قام الأمن ب"اختطاف"بعض المتظاهرين والنشطاء من محيط المحكمة حتى أن الجنود كانوا يقتحمون المقاهي المحيطة ويعتقلون بعض الجلوس عليها، بل وبلغ الأمر أن توغلوا في الشوارع الرئيسية في منطقة "محطة الرمل" بأكملها وحاولوا القبض على نشطاء بعينهم.. وبغض النظر عن اتفاق القاريء مع الفكرة من عدمه فإن الفكرة السائدة منذ هذا الوقت وحتى هذه اللحظة هي أن الأمن تعمد افتعال تلك الأحداث كذريعة للقبض على بعض كبار النشطاء لعرقلة الإعداد لفاعليات يوم 25 يناير 2013 من خلال إرهاق الثوار بمتابعتهم.. وبالمناسبة، فإن حُجة "الأمن اضطر لاستخدام العنف لحماية المحكمة" واهية.. أقول هذا كشاهد عيان، فالمحكمة ومبنى النيابة ومجمع المحاكم وأية منشئات مجاورة بقيت آمنة من أي اقتراب طوال فترة الاشتباك.. وبالمناسبة فإن تعبير "الاشتباك" يبدو لي مبالغًا فيه، فما كان يجري بالفعل هو أن الأمن كان يلقي بقنابل الغاز بكثافة حتى لو انسحب المتظاهرون، أو يطلق البطلجية-وقد رأيتهم بنفسي-ليلقوا الحجارة على المتظاهرين أو يحاولون اختطاف بعضهم.. ولم يحدث اقتحام المحكمة الابتدائية إلا بعد انسحاب الثوار من محيط المبنى بل والمنطقة كلها، وشهود العياد يُجمِعون أن الأمن انسحب من جوار المحكمة بشكل مريب ثم وقع الاقتحام من عناصر شوهد بعضها يقف تارة إلى جانب الثوار وأخرى إلى جانب الأمن، ثم بعد "تمثيلية" الاقتحام تقدم الأمن واقتحم جنوده المقاهي المجاورة وقبض على نشطاء بعينهم واتهمهم بالتحريض والتنفيذ لتلك الجريمة!

طبعًا أنا أنقل شهادتي واحترم أية شهادة معارضة، ولا ألزم بقولي القاريء أن يقتنع به كما هو فكل قول قابل للرد عليه بنقيضه إلا قول الله وأنبياءه..
إذا كان كل ما سبق من اعتداء على أمهات وذوي الشهداء، ضرب عشوائي لقنابل الغاز في مناطق سكنية(وقعت بعض حالات الاختناق بين المارة-أغلبهم من النساء والعجائز-عالجت بعضها بنفسي)، ضرب لمحاميات داخل مبنى المحكمة.. إن كان لنا أن نصف كل هذا ب"العدوان" فإن ما جرى في اليوم التالي-الاثنين 21 يناير-لا أجد وصفًا له سوى "الفجور"..والفجور في أحد أهم معانيه هو "المجاهرة بالفساد"..
ما جرى هو أننا قد توجهنا يوم الاثنين المذكور إلى مبنى النيابة للتضامن مع المتهمين الذين نشهد أنهم أبرياء مما يُنسَب إليهم.. علمنا بنقلهم بشكل استثنائي لمنطقة "برج العرب" النائية للتحقيق معهم.. توجه الناشطان ماهينور المصري وحسن مصطفى إلى مكتب المحامي العام للتحدث معه بشأن إخلاء سبيلهم والاستفسار عن موقفهم.. صعدنا-أنا وبعض الأصدقاء-للاطمئنان ففوجئنا بمجموعة من أفراد الأمن المركزي والمخبرين تقتحم المبنى وتحاصر الممر الواقع فيه مكتب المحامي العام ثم فجأة تختطف من بيننا الناشط حسن مصطفى وتحاول اختطاف ماهينور المصري.. سمعت بنفسي الضابط وهو يهمس لجنوده "ياللا بسرعة قبل ما يمشوا".. وشهدت حسن وهو يخرج من أحد المكاتب بشكل هاديء ثم فجأة اختفى بينهم.. استطعنا تخليص ماهينور بعد أن اعتدوا عليها بالضرب وجذبوها بشكل شديد السفالة من ملابسها وتطاولوا عليها بالألفاظ البذيئة.. حاولنا اقناعهم بإطلاق سراح حسن مصطفى وسألنا بغضب عن سبب القبض عليه ففوجئنا بهم يدفعوننا على السلالم حتى أخرجونا من المبنى بكل عنف وقام أحد الضباط بمباغتتنا برش رذاذ الفلفل في أعيننا أثناء خروجنا من البوابة وهو يطلق أقذر الألفاظ رغم أن مقاومتنا دفعهم كانت قد خفت أو انتهت وكان أغلبنا يخرج طواعية.. للأسف نلتُ نصيبًا لا بأس به من هذا الرذاذ تسلل لصدري وعينيّ مما أصابني بأزمة صدرية عنيفة نُقِلت إثرها إلى المستشفى في حالة بالغة السوء..
علمتُ بعد ذلك أن حسن وُجِهَت له تهمة الاعتداء على وكيل نيابة واعتداء سابق على ضابط والتحريض على العنف.. وهي طبعًا تهمًا هزلية بالذات الأولى منها حيث يمكن للمئات أن يشهدوا أنه تواجد في مكتب وكيل النيابة المُدَعِي عليه بشكل سلمي هاديء..

هل يمكن للقاريء أن يتخيل صدمتي أنا من درس القانون وأنا أرى هذا الاعتداء يجري أمام باب غرفة مكتب المحامي العام مباشرة وفي وجود عدد من العاملين بالمؤسسة القضائية؟ ثمة مجموعة من الجرائم تم ارتكابها أمام مكتب من يُفتَرَض أنه ممثل الشعب أمام القضاء: سب – قذف- ضرب- تحرش- استخدام مواد ضارة- اقتحام الأمن لمنشأة يُحظَر عليه دخولها في غير حالات الطواريء – اختطاف.. حفنة من الجرائم لو وقعت من الأمن في دولة تحترم نفسها لاستقالت الحكومة!
إن هذه الوقائع لتثير عشرات التساؤلات المخيفة ولعل أقلها هو: أين المحامي العام للإسكندرية وأعضاء الهيئة القضائية مما حدث أمام مكاتبهم؟ هل يُعقَل أن يتوغل الأمن هذا العمق دون موافقتهم؟لو كانت لإجابة بالإيجاب فهي كارثة ولو كان ذلك قد حدث عنوة فهي مصيبة! هل تصل سلطة مخبر في الشرطة أو مجند أمن مركزي أن ينتهك حرمة قاعة المحكمة ويضرب محامية يمنع القانون مجرد توقيفها إلا بإجراءات خاصة؟ هل بلغت الجرأة بالأمن والاستهتار بصورته وصورة الدولة أن يمارس العنف بشكل علني وعشوائي في قلب المدينة أمام المحكمة مباشرة وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار من سفارات دول كفرنسا والسويد وإيطاليا وفي شارع البحر الرئيسي؟(كنت استطيع رؤية سحب الغاز وشم رائحته بعد ضربه في المنشية وأنا أمام مكتبة الإسكندرية وهي مسافة ليست بالقليلة بالنسبة لأمر كهذا!)..
لا أستطيع التعبير عمّا جرى إلا بأنه حالة "فلتان عيار" و "تَوَحُش" جعل الأمن يبدو كالرجل الذي فقد عقله فانطلق يركض عاريًا في عرض الطريق حاملاً سكين وهو يصرخ في الجميع.. وإني لأتسائل كيف لهذه الفضيحة ألاّ قد تكون بلغت مكتب الرئيس-خاصة وأن نائب المحافظ قيادي إخواني-إلا لو كانت بمباركة أو رضا أو أمر؟
وثمة سؤال آخر: أين القضاة الغيورون على حُرمة القضاء وساحاته ومبانيه واستقلاليته وسيادته مما جرى؟ أين من غاروا منهم على "حرمة" النائب العام السابق وهيئة المحكمة الدستورية العليا؟ كيف يمكن ألاّ نظن أن قيامهم سابقًا كان مجرد "تصفية حسابات ومصالح" إلا بأن يزيلوا ظن السوء بأن يظهروا الغيرة على كرامة السلطة القضائية التي أهانتها الداخلية بكل ما سبق؟

 وأكررها للمرة المئة ولن أمل تكرارها"لو أن أصحاب القرار يريدون منا ألاّ نتهمهم بالتواطوء والرضا عن أية مهزلة مماثلة فعليهم هم يقع عبء إثبات ذلك بإظهار ما يفيد رفضهم ما حدث.. وإلا فنحن معذورون في ظن السوء لأن السكوت الرسمي عن تلك الجرائم هو "قرينة" سرعان ما يرتقي بها استمرار السكوت إلى مستوى "الدليل"!
(تم)