لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

mercredi 23 janvier 2013

عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء


عندما فَجرَت الداخلية في حَرَم القضاء

أغلبنا يعرف قصة صنما "إساف ونائلة".. تقول الأسطورة أنهما كانا رجلًا وإمرأة إلتقيا في مكة وتوجها إلى حَرَم الكعبة ففَجر أحدهما بالآخر فمسخهما الله حجرين فعبدهما كفار قريش..

لا أعرف مدى صحة هذه الأسطورة ولكني مررتُ أخيرًا بموقف تمنيت معه أن يكون المسخ حجرًا عقابًا سريعًا مباشرة وعلنيًا لمن يفجر في أي حرم مقدس-وليس حرم الكعبة الشريفة فحسب-بالذات لو كان حرم القضاء..

فمنذ أيام اندلعت اشتباكات عنيفة بمحيط المحكمة الابتدائية بالإسكندرية استمرت لمدى يومين.شهود العيان يُجمِعون أن الأمن في  المرتين كان الباديء، إذ قام في اليوم الأول-ولغير مبرر منطقي-بالاعتداء بالضرب على أهالي شهداء الثورة السكندريين الذين كانوا قد تجمعوا عند المحكمة أثناء نظر قضية أبناءهم.فور وقوع الاعتداء تناقل الثوار الخبر وتوجهوا للمنطقة للدفاع عن المُعتَدَى عليهم.ومما شهدتُ بنفسي أثناء تواجدي هناك أستطيع أن أجزم بكل ثقة أن الداخلية كانت "راضية" عن هذه الاشتباكات، وهو أمر يستطيع أي متابع مدقق للمصادمات مع الأمن المركزي أن يدركه من خلال مدى جدية الأمن في تفريق التجمع ومنع تشكّله ثانية، فضلاً عن أن في تلك الحالة كان يكفي من الأمن الانسحاب لمواقعه لتتوقف المعركة ولكنه كان يمارس الكر والفر بغير مبرر أو حاجة..
أما اليوم الثاني فقد شهد تنحي القاضي عن نظر القضية-وهو إجراء قانوني يحق له اتخاذه حال استشعاره الحرج-ولكن الصدام بدأ فورًا بعدها بسبب قيام جنود الأمن المركزي بضرب بعض المحاميات بذريعة أن "مشاجرة" جرت بين محامو المتهمين ومحامو أهالي الشهداء، وهو مما يرد حدوثه ولا يحتاج إلا لتدخل أمن المحكمة بشكل غير بدني في أسوأ الأحوال! وبدا واضحًا كاليوم السابق أن الأمن "يريد خناقة"!
وتكررت نفس مشاهد اليوم التالي ولكن بشكل أكثر عنفًا، وهذه المرة قام الأمن ب"اختطاف"بعض المتظاهرين والنشطاء من محيط المحكمة حتى أن الجنود كانوا يقتحمون المقاهي المحيطة ويعتقلون بعض الجلوس عليها، بل وبلغ الأمر أن توغلوا في الشوارع الرئيسية في منطقة "محطة الرمل" بأكملها وحاولوا القبض على نشطاء بعينهم.. وبغض النظر عن اتفاق القاريء مع الفكرة من عدمه فإن الفكرة السائدة منذ هذا الوقت وحتى هذه اللحظة هي أن الأمن تعمد افتعال تلك الأحداث كذريعة للقبض على بعض كبار النشطاء لعرقلة الإعداد لفاعليات يوم 25 يناير 2013 من خلال إرهاق الثوار بمتابعتهم.. وبالمناسبة، فإن حُجة "الأمن اضطر لاستخدام العنف لحماية المحكمة" واهية.. أقول هذا كشاهد عيان، فالمحكمة ومبنى النيابة ومجمع المحاكم وأية منشئات مجاورة بقيت آمنة من أي اقتراب طوال فترة الاشتباك.. وبالمناسبة فإن تعبير "الاشتباك" يبدو لي مبالغًا فيه، فما كان يجري بالفعل هو أن الأمن كان يلقي بقنابل الغاز بكثافة حتى لو انسحب المتظاهرون، أو يطلق البطلجية-وقد رأيتهم بنفسي-ليلقوا الحجارة على المتظاهرين أو يحاولون اختطاف بعضهم.. ولم يحدث اقتحام المحكمة الابتدائية إلا بعد انسحاب الثوار من محيط المبنى بل والمنطقة كلها، وشهود العياد يُجمِعون أن الأمن انسحب من جوار المحكمة بشكل مريب ثم وقع الاقتحام من عناصر شوهد بعضها يقف تارة إلى جانب الثوار وأخرى إلى جانب الأمن، ثم بعد "تمثيلية" الاقتحام تقدم الأمن واقتحم جنوده المقاهي المجاورة وقبض على نشطاء بعينهم واتهمهم بالتحريض والتنفيذ لتلك الجريمة!

طبعًا أنا أنقل شهادتي واحترم أية شهادة معارضة، ولا ألزم بقولي القاريء أن يقتنع به كما هو فكل قول قابل للرد عليه بنقيضه إلا قول الله وأنبياءه..
إذا كان كل ما سبق من اعتداء على أمهات وذوي الشهداء، ضرب عشوائي لقنابل الغاز في مناطق سكنية(وقعت بعض حالات الاختناق بين المارة-أغلبهم من النساء والعجائز-عالجت بعضها بنفسي)، ضرب لمحاميات داخل مبنى المحكمة.. إن كان لنا أن نصف كل هذا ب"العدوان" فإن ما جرى في اليوم التالي-الاثنين 21 يناير-لا أجد وصفًا له سوى "الفجور"..والفجور في أحد أهم معانيه هو "المجاهرة بالفساد"..
ما جرى هو أننا قد توجهنا يوم الاثنين المذكور إلى مبنى النيابة للتضامن مع المتهمين الذين نشهد أنهم أبرياء مما يُنسَب إليهم.. علمنا بنقلهم بشكل استثنائي لمنطقة "برج العرب" النائية للتحقيق معهم.. توجه الناشطان ماهينور المصري وحسن مصطفى إلى مكتب المحامي العام للتحدث معه بشأن إخلاء سبيلهم والاستفسار عن موقفهم.. صعدنا-أنا وبعض الأصدقاء-للاطمئنان ففوجئنا بمجموعة من أفراد الأمن المركزي والمخبرين تقتحم المبنى وتحاصر الممر الواقع فيه مكتب المحامي العام ثم فجأة تختطف من بيننا الناشط حسن مصطفى وتحاول اختطاف ماهينور المصري.. سمعت بنفسي الضابط وهو يهمس لجنوده "ياللا بسرعة قبل ما يمشوا".. وشهدت حسن وهو يخرج من أحد المكاتب بشكل هاديء ثم فجأة اختفى بينهم.. استطعنا تخليص ماهينور بعد أن اعتدوا عليها بالضرب وجذبوها بشكل شديد السفالة من ملابسها وتطاولوا عليها بالألفاظ البذيئة.. حاولنا اقناعهم بإطلاق سراح حسن مصطفى وسألنا بغضب عن سبب القبض عليه ففوجئنا بهم يدفعوننا على السلالم حتى أخرجونا من المبنى بكل عنف وقام أحد الضباط بمباغتتنا برش رذاذ الفلفل في أعيننا أثناء خروجنا من البوابة وهو يطلق أقذر الألفاظ رغم أن مقاومتنا دفعهم كانت قد خفت أو انتهت وكان أغلبنا يخرج طواعية.. للأسف نلتُ نصيبًا لا بأس به من هذا الرذاذ تسلل لصدري وعينيّ مما أصابني بأزمة صدرية عنيفة نُقِلت إثرها إلى المستشفى في حالة بالغة السوء..
علمتُ بعد ذلك أن حسن وُجِهَت له تهمة الاعتداء على وكيل نيابة واعتداء سابق على ضابط والتحريض على العنف.. وهي طبعًا تهمًا هزلية بالذات الأولى منها حيث يمكن للمئات أن يشهدوا أنه تواجد في مكتب وكيل النيابة المُدَعِي عليه بشكل سلمي هاديء..

هل يمكن للقاريء أن يتخيل صدمتي أنا من درس القانون وأنا أرى هذا الاعتداء يجري أمام باب غرفة مكتب المحامي العام مباشرة وفي وجود عدد من العاملين بالمؤسسة القضائية؟ ثمة مجموعة من الجرائم تم ارتكابها أمام مكتب من يُفتَرَض أنه ممثل الشعب أمام القضاء: سب – قذف- ضرب- تحرش- استخدام مواد ضارة- اقتحام الأمن لمنشأة يُحظَر عليه دخولها في غير حالات الطواريء – اختطاف.. حفنة من الجرائم لو وقعت من الأمن في دولة تحترم نفسها لاستقالت الحكومة!
إن هذه الوقائع لتثير عشرات التساؤلات المخيفة ولعل أقلها هو: أين المحامي العام للإسكندرية وأعضاء الهيئة القضائية مما حدث أمام مكاتبهم؟ هل يُعقَل أن يتوغل الأمن هذا العمق دون موافقتهم؟لو كانت لإجابة بالإيجاب فهي كارثة ولو كان ذلك قد حدث عنوة فهي مصيبة! هل تصل سلطة مخبر في الشرطة أو مجند أمن مركزي أن ينتهك حرمة قاعة المحكمة ويضرب محامية يمنع القانون مجرد توقيفها إلا بإجراءات خاصة؟ هل بلغت الجرأة بالأمن والاستهتار بصورته وصورة الدولة أن يمارس العنف بشكل علني وعشوائي في قلب المدينة أمام المحكمة مباشرة وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار من سفارات دول كفرنسا والسويد وإيطاليا وفي شارع البحر الرئيسي؟(كنت استطيع رؤية سحب الغاز وشم رائحته بعد ضربه في المنشية وأنا أمام مكتبة الإسكندرية وهي مسافة ليست بالقليلة بالنسبة لأمر كهذا!)..
لا أستطيع التعبير عمّا جرى إلا بأنه حالة "فلتان عيار" و "تَوَحُش" جعل الأمن يبدو كالرجل الذي فقد عقله فانطلق يركض عاريًا في عرض الطريق حاملاً سكين وهو يصرخ في الجميع.. وإني لأتسائل كيف لهذه الفضيحة ألاّ قد تكون بلغت مكتب الرئيس-خاصة وأن نائب المحافظ قيادي إخواني-إلا لو كانت بمباركة أو رضا أو أمر؟
وثمة سؤال آخر: أين القضاة الغيورون على حُرمة القضاء وساحاته ومبانيه واستقلاليته وسيادته مما جرى؟ أين من غاروا منهم على "حرمة" النائب العام السابق وهيئة المحكمة الدستورية العليا؟ كيف يمكن ألاّ نظن أن قيامهم سابقًا كان مجرد "تصفية حسابات ومصالح" إلا بأن يزيلوا ظن السوء بأن يظهروا الغيرة على كرامة السلطة القضائية التي أهانتها الداخلية بكل ما سبق؟

 وأكررها للمرة المئة ولن أمل تكرارها"لو أن أصحاب القرار يريدون منا ألاّ نتهمهم بالتواطوء والرضا عن أية مهزلة مماثلة فعليهم هم يقع عبء إثبات ذلك بإظهار ما يفيد رفضهم ما حدث.. وإلا فنحن معذورون في ظن السوء لأن السكوت الرسمي عن تلك الجرائم هو "قرينة" سرعان ما يرتقي بها استمرار السكوت إلى مستوى "الدليل"!
(تم)