لَـــــيـــــــــل...وأوضَـــــــــة مِـــــنـــــسِـــــيِّـــــة

Rechercher dans ce blog

jeudi 27 juin 2013

الخطاب الرخيص لسيادة الرئيس


"تمخض الجبل فولد فأرًا" هكذا تعليقي على خطاب د.مرسي بالأمس.. ولا أقصد تشبيهه بالجبل، ولكن الخطاب يستحق بالتأكيد التشبيه بالفأر..
المفترض من أي خطاب رسمي مسئول بمناسبة أحداث شديدة الخطورة وظروف عالية الحساسية كالتي تعيشها مصر أن يقدم لنا "جديدًا" وهذا الجديد عليه أن يمثل حلاً للأزمة أو على الأقل تبريدًا لبعض جبهاتها.. فماذا حمل لنا خطاب الرئيس؟

كان هناك الكثير من ال"في غلطات بس بنعمل كذا.." و"إحنا حققنا تقدم..هو مش كفاية بس أصل..إلخ" مع بعضًا من الشفافية في الكشف عن حقائق مثيرة كأن الرئيس عنده "تليفون كدة الناس بيطلبوني عليه" أو كأن باسم عودة وزير التموين "بينط على عربيات الأنابيب في الشارع"..
وجاءت فقرة المقارنات لتمثل تطبيقًا للمثل الشعبي "روح يا ناكر خيري شوف زماني من زمان غيري" من خلال الحديث عن الدين الخارجي والعدالة الاجتماعية.. وكباحث في التاريخ أصابني الذهول لأن د.مرسي واتته ال.. فلنقل الشجاعة ليقارن عصره بعصر عبدالناصر من حيث الحديث عن الاقتصاد!
وعن المشكلات الحياتية كالبنزين والأمن تحدث مرسي فقال أنه "لازم أعرف مين أخد إيه وإداه لمين"(يا نهار إسود!) و"مين بيعمل الحاجات دي في الولاد الصغيرين" (أحّيه!!) وهو الامتداد المعتاد لأحاديثه السابقة عن الأصابع والحمامة والصباعين تلاتة اللي بيلعبوا في مصر..

أما قنبلة العرض فكانت وصلة الأسماء التي أتحفنا بها سيادة الرئيس.. لو أننا في دولة تحترم نفسها لباع هذا الرجل ما وراءه وما أمامه ليسدد أتعاب المحامين المكلفين بالدفاع عنه في قضايا السب والقذف التي ستقام ضده! مكرم محمد أحمد.. أحمد شفيق.. أحمد بهجت.. محمد الأمين.. بشكل شخصي أنا بالتأكيد غير متعاطف مع أي من هؤلاء لكن بشكل قانوني لدي مشكلة حقيقية في أن يوزع رئيس الجمهورية الاتهامات لشخصيات بعينها بغير حكم محكمة! طبعًا شفيق استثناء باعتبار أنه بالفعل هارب من المسائلة القضائية.. لكن ماذا عن الباقون؟ هل قلت لكم أنه تخطى حاجز الأحياء فذكر الأموات؟ آه والله.. وقص علينا قصة لطيفة عن كمال الشاذلي الذي قال له "السياسة نجاسة".. أي نعم.. لقد عشنا لنرى رئيس جمهورية مصر العربية يقف على المنصة أمام الملايين ليقول "السياسة نجاسة".. وإنني كنت أضع يدي على قلبي متضرعًا لله ألّا يسترسل مرسي في الأمر فيستطرد :"والضخامة فخامة.. والصياعة أدب مش هز...إحم.. كتاف".. مما كان سيقودنا في نهاية الخطاب لمرحلة "الشرمطة مرمطة والعلوقية مسئولية!"
بالتأكيد لم تفت د.مرسي لفتة أن يشعرنا أنه "ابن سوق ومرقع" فحدثنا عن "فودة" "وعاشور" الذان يؤجران البلطجية.. والولد الذي يتلقى عشرون جنيهًا "عشان يشد سكينة الكهرباء".. ولو تُرِكَ له العنان فإني أؤكد أنه كان كفيلًا بسرد قائمة أسماء "الديلرز" في حارة اليهود والديزيت وشارع القاهرة..



وفي نهاية الخطاب قام السيد الرئيس بتقديم وصلة مغازلة للمؤسسات التي يشعر رجل الشارع أن الشيطان دخل بينها وبين الرئاسة.. كالقضاء والداخلية والجيش.. بل وتفتقت قريحة سيادته عن إجراء فذ غير مسبوق هو أن يكلف وزارة الداخلية بإنشاء وحدة مهمتها مكافحة البلطجة والجريمة.. آه والله.. هذا على أساس أن أحدهم أقنع سيادته قبل ترشحه للرئاسة أن مهمة وزارة الداخلية تقتصر على تنظيم حج القرعة وإصدار تراخيص التكاتك! قرار رئاسي بتكليف الداخلية بمكافحة الجريمة؟ يا ابن الإيه يا لذينَ!

وما لفت نظري هو تكرار مرسي عبارة "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" بشكل متتالي وبحالة من "الحُرقة" ذكرتني بمشهد المرحوم علاء ولي الدين في فيلم "النوم في العسل" وهو يقف أمام المرآة مرددًا "أنا جامد..أنا مية مية..أنا زي الفل".. طيب يا حبيبي... عارفين والله إن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو بابا وماما وأنور وجدي لجميع مؤسسات الدولة.. وبعدين؟ هذا المشهد ذكرني بالعبارة الخالدة على ظهر كتاب اللغة العربية للصف الأول الثانوي "صوتك العالي دليل ضعف موقفك" .. وتكرار العبارة لا يشير إلا لأن أحدهم في الجيش "زعّله" فأثر هذا في نفسيته وأوصاه الطبيب بترديد "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة" على سبيل رفع روحه المعنوية بعد الفاجعة!

وطبعًا إمعانًا في رخص الموقف لم ينسى الرجل الحديث عن المؤامرات والدسائس والذين يحقدون على مصر التي هي على حد قوله "بلد كبيرة إحنا".. آه..هل ذكرت أنه ضمّن حديثه كلامًا من نوعية "الجسد المصري العظيم" و"مصر واسعة وكبيرة"؟ طبعًا أعقب الحديث عن المؤامرات تهديدًا ووعيدًا بلهجة يمكن لأي قاريء بسيط في علم النفس أن يؤكد أنها صادرة عن رجل يدرك أنه لا يستطيع شيئًا! اللهجة بدت كرتونية على غرار "سأهزمك وأريك قوة بلبلي" أكثر من كونها صادرة عن رئيس دولة له صلاحيات..


الخلاصة أننا كنا أمام مشهد ذكرني برواية "السائرون نيامًا" للراحل سعد مكاوي.. والتي كان من أشخاصها سلطان ضعيف اسمه يلباي وضعه "خير بك الدوادار"-السلطان الفعلي للبلاد-على العرش وحكم من وراءه (خير وخيرت..شوف يا أخي الصدف).. وكان يلباي خائبًا حتى أن في رحلات الصيد كان العبيد هم من يغرسون له السهام في أجساد الطرائد ويمرون بها في موكب العودة أمام الجماهير.. وفي الفراش لم يكن حاله بأفضل مما جعله يجد العلاج في أن يستحضر مجموعة من المساجين ويطلب منهم السجود له ثم ينهال عليهم بالسيف والسباب ويلتفت للأمراء الذين يعرفون حقيقته صارخًا: "أنا سبع هذا البر يا ولاد الكلب!"

من الآخر إذن.. هذا خطاب يائس بائس من رجل أدرك أنه أصغر من كرسيه وأقل من مكانة منصبه وأتفه مما يوحي به شأنه! باختصار هو خطاب رخيص لا يليق برئيس جمهورية مصر العربية.. لكنه بالتأكيد يليق بمحمد مرسي العياط!